شحاته زكريا يكتب.. حين تتكلم القاهرة والرياض في وقت واحد



في الشرق الأوسط لا تقاس السياسة فقط بحركة الجيوش أو بقرارات مجلس الأمن بل بموازين غير مرئية تستقر في وجدان الجغرافيا والتاريخ. ثمة عواصم كثيرة في هذا الإقليم تملك من الثروة أو الصخب ما يجعلها تتصدر شاشات الأخبار لأيام أو شهور لكنها تظل نوبات عابرة لا تلبث أن تنطفئ عند أول اختبار استراتيجي حقيقي غير أن المشهد يختلف كليا وتتبدل إيقاعات الإقليم برمته حين يلتفت العالم ليجد أن القاهرة والرياض قد اختارتا أن تتكلما في لحظة واحدة وبنبرة لا تحتمل اللبس ليست المسألة مجرد تحالف دبلوماسي تقليدي بين دولتين شقيقتين ولا هي بيان ختامي يصاغ بديباجة مكررة بعد قمة ثنائية. المسألة أعمق من ذلك بكثير إنها تعبير عن حقيقة جيوسياسية استقرت على مدى عقود طويلة: إذا كان العالم العربي جسدا فإن القاهرة والرياض هما رئتاه اللتان يتنفس بهما وجناحاه اللذان إن اختل أحدهما هوى البناء كله إلى قاع الفوضى. وحين يتطابق لسان هاتين العاصمتين لا يُفهم ذلك في الأروقة الدولية باعتباره مجرد تنسيق مواقف بل يقرأ على أنه خط أحمر كتب بحبر المصير المشترك وصمام أمان أخير لمنظومة إقليمية تتقاذفها العواصف من كل حدب وصوب.
نعيش اليوم في منطقة لم تعد تحتمل ترف المناورات الصغيرة ولا الصراعات الجانبية. الخرائط من حولنا مهددة بالتفكك ومشاريع الهيمنة الإقليمية التي تتدثر بشعارات مختلفة تحاول ملء أي فراغ تتركه القوى المركزية. ومن غزة المثخنة بالجراح إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب مرورا بتمزق السودان وأزمات الشام الممتدة يبدو الإقليم كله وكأنه يقف على رمال متحركة. في مثل هذه اللحظات المفصلية تصبح محاولات بعض الأطراف اللعب على وتر التباين في التكتيك أو التمايز في الأولويات بين مصر والسعودية رهانا خاسرا ينم عن جهل بطبيعة الرابطة التأسيسية بينهما قد تختلف زوايا النظر في بعض التفاصيل اليومية وهذا شأن طبيعي بين دولتين كبيرتين لكل منهما مداها الحيوي وثقلها الخاص فالقاهرة تقرأ التحديات بعين الجغرافيا الممتدة نحو العمق الإفريقي والمتوسطي وثقل الجوار المباشر والرياض تدير ملفاتها بمنطق القوة الاقتصادية والريادة في أسواق الطاقة والدور المركزي في الخليج والساحة الإسلامية. لكن هذا التمايز بالذات لم يكن يومًا نقيصة بل هو مصدر القوة الحقيقي للشراكة إنه التكامل الذي يجعل من الثقل البشري والعسكري لمصر متسقا مع النفوذ المالي والسياسي للسعودية مشكلين معا جبهة قادرة على موازنة الأطماع الدولية والإقليمية التي اعتادت الاستثمار في الشتات العربي والأهم من ذلك كله أن صوت القاهرة والرياض حين يتحد فإنه لا يتحدث بمنطق المغامرة ولا يستعرض عضلاته بالعدوان بل يتحدث دائمًا بلغة الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع الفوضى والميليشيات العابرة للحدود. إنه صوت ينحاز إلى الاستقرار وإلى حماية ما تبقى من أعمدة الكيانات الوطنية في المنطقة وإلى حق الشعوب في التنمية والحياة الكريمة بعيدا عن المقامرات الإيديولوجية التي دمرت حواضر عربية عريقة وحولتها إلى أطلال تبحث عن هويتها العالم اليوم شرقا وغربا يمر بمرحلة إعادة ترتيب واسعة للموازين الدولية قوى صاعدة تسعى لإعادة صياغة قواعد اللعبة ونظام قديم يترنح وتحالفات تتشكل وتتفكك في لمح البصر. وفي هذا العالم الجديد الذي لا يحترم الضعفاء ولا يصغي إلى أصوات المتفرقين لا يمكن لأي دولة عربية بمفردها مهما امتلكت من أدوات أن تصنع مظلة حماية استراتيجية شاملة. إن النفوذ الحقيقي الذي يُجبر واشنطن وبكين وموسكو على التوقف وإعادة الحسابات هو ذلك الذي ينبع من كتلة صلبة لا تنكسر كتلة مركز ثقلها القاهرة والرياض ومن حولهما ما تبقى من العواصم المخلصة لفكرة الأمن القومي العربي. إن الرهان على عزل مصر عن محيطها الخليجي أو تصور إمكانية عزل السعودية عن عمقها الاستراتيجي في وادي النيل كان دائما وأبدا حلما يراود خصوم هذه الأمة. أدرك ذلك التاريخ قديما وأكدته كل المحطات الصعبة التي مرت بها المنطقة فحين تساندت العاصمتان في لحظات الخطر استرد العرب توازنهم وحين تباعدت الخطى كان الثمن دائما يدفع من أمن المنطقة واستقرار مجتمعاتها اليوم لا يملك الإقليم رفاهية الانتظار والرسالة التي يجب أن تصل إلى كل الأطراف واضحة لا لبس فيها: قوة القاهرة هي درع الرياض واستقرار الرياض هو سند القاهرة وكل اتفاق بينهما ليس موجها ضد أحد بل هو دفاع عن كرامة ومستقبل أمة بأسرها لهذا حين تلتقي الإرادتان ويخرج الصوت من ضفاف النيل ومن قلب نجد في آن واحد فإن الحكمة تقتضي أن ينصت الجميع لأن هذا الصوت لا يعلن موقفا عابرا بل يرسم ملامح الخريطة التي سيبقى عليها هذا الشرق.

شاهد أيضاً

سامي المسلم يكتب.. ثقافة الوقت.. القيمة المهدرة وصناعة الإنسان والمجتمع

ليس الوقت مجرد تعاقب للساعات والأيام، ولا مجرد عقارب تتحرك على وجه ساعة معلّقة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *