د. عصام محمد عبد القادر يكتب.. ابدأ بنفسك: كُن ذا عطاء


استلهم من أعماقك طاقة مفعمة حانية، تترجم مكنونات الرحمة إلى بذل موصول لا يعرف الانقطاع، واجعل من متعة العطاء رسالة إنسانية نبيلة، ترتبط بحوز وجدان صافٍ وسريرة نقية، وابدأ بنفسك في خضم زخم الحياة وتفاصيلها، لتكون وعاء العطاء الذي لا ينضب، والقائم على تنظيم المدخلات والعمليات والمخرجات الخاصة بكيانك الإنساني؛ فتصبح نظرتك الشمولية للأمور ناتجة عن فلسفة الحكمة والتعقل عند تناول ما تتعرض له من قضايا ومواقف متجددة.
بادر بمد يد العون والمساعدة بكل حب ورضا، لتضيء عتمة الدرب في صدرك ولكل من يشعر بالعوز، وتغدو شريانًا حيويًا يبارك كل ما يمر به من تفاصيل الوجود، مستنهضًا في القلوب بواعث الطمأنينة عبر فيض يوازي في غزارته ونفعه صيبًا طيبًا يحل بالبيداء؛ فتبلغ به ذروة النماء والارتواء، وتستحيل الحياة واحة حب يفيض ماؤها عذبًا زلالًا على كل ظمآن يترقب لحظة غوث أو التفاتة أمل تعيد له توازنه وثقته في دروب المعيشة.
تعلم الصمود الناتج عن مدرسة الحياة، التي تترك آثارًا عميقة في وجدانك، وترسخ ثوابت تتمخض عن مفاهيم صحيحة؛ ليصير السلوك الإيجابي ملازمًا لك حين تتحمل المسؤولية، وتريد أن تُسيّر سفينة الوطن الصغير بكل هدوء وتؤدة، وكن صاحب العقل الذي دومًا يبحث عن كل ما يفيد هذا الكيان المُشكّل لبنية المجتمع؛ كي ينال حظه من حياة معتركها ليس بالهين، وامتلك أطروحات قويمة لحلول مشكلات متجددة، كي تذلل معوقات أو صعوبات تقف حجر عثرة أمام الفرد نحو ما يأمل أو يتمنى.
اصنع سياج الحماية والرعاية للجميع، وتحمل الضغوط دون أن تنقل الإزعاج أو تحدث اضطرابات لدى أذهان من يشاركونك تفاصيل رغد المعيشة، وأدر المشهد بحرفية ووعي قويم، واحرص على أن تلبي الاحتياجات الأساسية لمن يحيطون بك، محاولًا بكل جهد وطاقة أن تشبع وترضي المطالب الفئوية داخل كيانك الصغير، من قبيل الحب والرحمة وإدخال البهجة في قلوب من تشملهم بالرعاية وتحتضنهم بشغف؛ فالأمر يقوم على فكرة بناء إنسان سويّ يمتلك مقومات تساعده في تحقيق أهداف لا مناص منها.
اجعل الاندفاع العاطفي نحو الخير جبلة راسخة تنبض برعاية الآخرين، وصيانة وشائج الود بغزارة وجدانية دافقة، تحاكي في سخائها انهمار غيث مطر يحيي الهشيم، ودع صفة الاهتمام تستقر في سويداء كيانك بوصفها خصلة أصيلة تهيمن على تفكيرك وشعورك الوجداني؛ لتمتد هذه الرعاية الشاملة فتجعل من فضائك محيطًا محفوفًا بسياج من المودة والرفق والحنو الدائم، وتنبثق من أعماقك طاقة غامرة تشمل كل تفصيلة بعناية فائقة تعكس نبل مقاصدك ورهافة حسك البديع.
تأبى المشاعر الصادقة لديك ترك شأن من شؤون المحيطين بك إلا وقد أضفيت عليه من فيض عطفك ما يمنحه الدفء والأمان المستمر؛ فتتآلف القلوب تحت رعاية هذا العطاء المنساب، الذي يحول المسافات البعيدة إلى قرب، والجمود المحيط بها إلى حياة نابضة، وهيمن بالمحبة على رؤيتك للوجود، واصبغ نظرتك للحياة بصبغة من التفاؤل والوداد المتبادل؛ ليخلو مسار قلبك النقي من شوائب الأنانية المذمومة التي تضيق فيها آفاق النفس الإنسانية وتكدر صفوها.
انتقل بوعيك من النزعة الذاتية الضيقة إلى واحة الجماعة، التي يستلزم في خضمها العمل من أجل الغير وللغير، من قبيل قناعة داخلية تنبري على قاعدة رئيسة تكمن في الاستخلاف؛ حيث تتربى على العطاء والبذل متخليًا عن الأنانية وحب النفس، وينداح شعور الغبطة ليغمرك بالسعادة الغامرة ويقين الرضا، جراء أداء رسالة إنسانية تتمثل في تخفيف قسوة العوز، وبلطف المعاملة وإبداء المحبة المفعمة بقبول الآخر، والتي تصل إلى شغاف القلوب بلا استئذان؛ فتبرأ الجراح وتطيب النفوس المكسورة.
ينبني عطاؤك النابع من كرم القلب على السماحة في منأى عن جني الثمار أو حيازة المكاسب أو انتظار الامتنان، مما يحقق لك رضا ذاتيًا مستدامًا لا تنال منه المواقف بغض النظر عن صعوبتها، ولا تغيره ظروف الأيام وتقلباتها؛ فتبذل جل طاقتك ووقت جهدك في مؤازرة المحتاجين، وتعزيز أواصر التراحم والتضامن المجتمعي، منطلقًا من يقين راسخ بأن بقاء الأمم ونهضتها إنما يرتكز على تكاتف أبنائها وتضامنهم في السراء والضراء لتبقى راية الإنسانية خفاقة.
تتقد روحك وتصل إلى مرحلة السمو والاتزان المستدام مع عقلك، حين تمتد يدك للآخرين مقدمة كل ما يدخل السرور والبهجة، في خضم مشاعر جياشة تقوم على الصفاء، يترجمها حسن الممارسة ولطف المعاملة المستمدة من صلاح السريرة، ويتصف مفهوم العطاء لديك بخصوصية فريدة، تقوم على ديمومة البذل واستمرارية الوصل، بغض النظر عن كميته أو مقداره في الواقع؛ فتشكل هذه الاستدامة الوجدانية معيارًا أساسيًا لقياس جودة العلاقة وعمقها الإنساني.
تُحدث جذور العطاء اشتياقًا في نفسك، تراه في صور إسعاد من يترقب الأمر بشغف وأمل كبيرين، ليجد في يدك الممدودة طوق نجاة يخرجه من ضيق الحال إلى سعة الأمل، ومن وحشة الوحدة إلى دفء الجماعة؛ وهنا تضمن توافر حالة إيجابية من الاتزان والانسجام، تجعلك ترى الوجود من منظور أوسع وأشمل، مدركًا أن سعادتك الفردية إنما تنبع من سعادة الجماعة والتئام شملها على محيض الحب والخير والوفاق.
تتجاوز قيمتك المادية لترتفع منزلتك المعنوية بفضل صفاء الوجدان وإدراك الأثر الإيجابي العميق، حين ترى ثمرة غرسك تتفتح بشرًا وسرورًا على وجوه المحتاجين والضعفاء، وترتوي أرواح أفراد المجتمع بالسعادة عندما تتكامل صور العطاء المادي والمعنوي عبر شخصيتك المتوازنة التي تتحكم في انفعالاتها؛ فيكتسب الجميع صفة الهدوء من منبع عطائك، وتغرس قيم الولاء والانتماء التي يعم بها الأمن والأمان والاستقرار في ربوع وطنك ومحيطك الاجتماعي.
رسّخ أركان الواجب الاجتماعي في أعماق نفسك عبر ممارسات نبيلة تعلي من قيمة العطاء، لتزيل عن قصد محمود كافة صور الفوارق المادية، وتذيب عن عمد وترصد كل شوائب الشحناء والبغضاء التي تفتت عضد المجتمع، وامض نحو وحدة الجهود التي عند بوابتها تلتقي الإرادات الخيرة، وتتآلف القلوب الطاهرة على طاعة الخالق وخدمة العباد بإخلاص، كي تنعم وجميع من حولك بسلام دائم يغمر الأرجاء، وتعيش حياة كريمة مفعمة بالحب والإيثار الذي يسمو بروحك نحو مرفأ الفضيلة.

شاهد أيضاً

جمال المتولى جمعة بريكس.. من بوابة الاستيراد إلى قاطرة الإنتاج والتصدير

لم تعد عضوية مصر فى تجمع “بريكس” مجرد مشاركة سياسية أو حضور فى المحافل الدولية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *