لم يولد المسرح في أثينا القديمة ليكون مجرد ستارة تُرفع وتُسدل وسط تصفيق غافل، بل ولد ليكون ساحة للمساءلة، ومواجهة الطغاة، ومبضعاً جراحياً يغوص في عمق القضايا الإنسانية. غير أن هذا الفن العريق وجد نفسه على مر التاريخ يخوض معركة وجودية مزدوجة: معركة ضد بطش السلطة التي تسعى لاستلابه وتدجينه، ومعركة أخرى ضد الاستقطاب الأيديولوجي الذي يحاول تحويله إلى منبر دعائي مقطوع الصلة بنبض الشارع. إن الفارق بين مسرح التزوير الموجه وبين مسرح التنوير الإنساني الأصيل، هو الفارق بين المُخدر والمشرط؛ فالأول يمنح ضحكاً زائفاً لكي ينسى الإنسان واقع بيته المحترق، بينما يقدم الثاني مرآة ناصعة يرى فيها المجتمع جراحه بوضوح ليبدأ في علاجها.
إن المحاولات المستمرة لاختطاف المسرح لا تنفي القوة الشفائية الهائلة التي يمتلكها هذا الفن حين يُسترد لحضن الشعب؛ فالخشبة التي أُريد لها أن تكون أداة لتفكيك المجتمعات، أثبتت قدرتها الاستثنائية على أن تكون جسراً لرتق النسيج الاجتماعي، ومحاربة خطاب الكراهية، وتضميد جراح الحروب والتعافي المجتمعي. وتتجلى هذه القوة الناعمة في نماذج إنسانية مشرقة ألهمت العالم؛ ففي جنوب إفريقيا، كان مسرح أتول فوغارد الذي ركّز أعماله على مواجهة نظام الفصل العنصري في أوج قوته وجبروته عبر أعمال حاسمة مثل “سيزوي بانزي مات” رأس الرمح في تعرية القوانين العنصرية وبناء وعي جماهيري متضامن، ليتوج هذا المسار بعد سقوط الفصل العنصري لطرح قضايا العدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي بعروض مثل “أوبو ولجنة الحقيقة” التي صاغتها الكاتبة والأكاديمية المسرحية جين تايلور بالتعاون مع المخرج وليام كنتريدج وفرقة هاندسبرينغ للعرائس، والتي مزجت شهادات الضحايا بالعرائس التعبيرية لمعالجة الصدمة الوطنية ودفع الناس نحو التسامح. وفي رواندا، عقب مأساة الإبادة الجماعية، خاض المخرج والممثل دورسي روغامبا الذي عانى شخصياً من المأساة “الحرب الأهلية”، وعبر مسرحيته “التحقيق”، ركّز أعماله على تفكيك خطاب الكراهية واستعادة الكرامة الإنسانية للضحايا واستبدال خطاب العنف بحوار حقيقي يُعيد بناء الثقة وبعث وتجديد مشاعر الانتماء الحقيقي للوطن.
إن تجارب الشعوب التي تعافت من أهوال الحروب تُثبت أن المسرح الأصيل ليس مجرد بكائيات على الركام بل هو صياغة جمالية وفكرية مستوفية لكافة الشروط الفنية، تُفكك أسباب الحرب وتتسامى على الجراح دون أن تفرّط في الحقيقة. ومن هنا تصبح المشاركات المسرحية الخارجية في المهرجانات الإقليمية والدولية مسألة كرامة وطنية وفكرية؛ فبدلاً من إيفاد عروض ركيكة مصنوعة في دواوين السلطة لتزييف الواقع، يحتاج العالم إلى رؤية عروض مسرحية ناضجة تُسلط الضوء على القضايا الكبرى لإنسان تلك البقع الدامية والمتألمة، وتخاطب الوجدان الإنساني بجماليات عالية تعكس صلابة الشعوب وقدرتها على النهوض من تحت الركام.
وهنا تحديداً، يبرز “مسرح المقهورين” الذي ابتكره البرازيلي أغوستو بوال، ليس فقط كتيار فني، بل كحل مسرحي ومنهج عملي لمواجهة خطاب الكراهية والاقتتال القبلي. إن مسرح المقهورين تكمن عبقريته في تحويل المتفرج من مجرد “متلقي سلبي” إلى “متفرج فاعل” ينزل إلى الخشبة، ويمسك بالنص، ويعيد تشكيل المشهد بنفسه. في مناطق النزاع، يتحول هذا المنهج إلى أداة لتفكيك الشحنات القبليّة، حيث يُطلب من الجمهور إعادة تمثيل لحظات الصدام، ولكن مع استبدال أدوار القمع والتحريض بأدوار الحوار والتفاوض. فيتجاوز المسرح حدود الترفيه ليصبح ورشة عمل مجتمعية حية، تُمارس فيها الشعوب حقها في نقد الخطاب المتطرف، وابتكار أدوات التعايش السلمي، وصياغة السيناريو الذي يرتضيه الضحايا لا الذي يفرضه “الجوكر” أو الطاغية.
ومهما حاولت السلطات الشمولية أو التيارات المؤدلجة توظيف الفن لخدمة أجنداتها، تبقى الخشبة وفية لوظيفتها الأولى عندما تستند إلى الاستنارة والوعي؛ فتحمل أثقال مجتمعها، تقاوم الزيف، وتمنح الناس في أشد الأوقات ظلمة شعلة من الأمل، وسلاحاً اجتماعياً فعالاً للتعافي ورفض خطاب الكراهية، وأملاً لا ينطفئ في التعايش السلمي والأمن والطمأنينة.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
