تكشف التطورات المتلاحقة في المواجهة الأمريكية–الإيرانية أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بحجم قدراتها العسكرية أو امتلاكها لأدوات الضغط الإقليمي، وإنما كذلك بقدرتها على ضبط بيئتها الأمنية، والسيطرة على مسارات التصعيد، وتحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار.
ومن هذه الزاوية تبدو إيران أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فهي تمتلك أوراقًا استراتيجية مؤثرة، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي وإشرافها على مضيق هرمز، وشبكة علاقاتها الإقليمية، وقدراتها الصاروخية والنووية، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات تتعلق بإدارة تلك الأوراق، وبمدى قدرتها على التحكم في مسارات التصعيد، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية والعسكرية الناتجة عن العقوبات والمواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد اكتسب هذا التعقيد بعدًا جديدًا مع مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية التي ارتبطت بوساطة باكستانية وقطرية، وباستضافة سويسرية للمفاوضات. وتؤكد وزارة الخارجية السويسرية أن المذكرة وُقعت في يونيو 2026، وأنها تضمنت خارطة طريق للعمل على اتفاق نهائي خلال ستين يومًا، مع استمرار الوساطة القطرية والباكستانية.
ومن هنا فإن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع إيران الصمود أمام الضغط العسكري والاقتصادي؟
بل أصبح السؤال الأهم: هل تستطيع طهران تحويل أدوات القوة التي تمتلكها إلى تسوية مستقرة، أم أن تعدد ساحات الصراع سيظل مصدرًا دائمًا لهشاشة أي اتفاق؟
الاتفاق الأمريكي–الإيراني.. هدنة أم بداية لمسار سياسي؟
لفهم هشاشة التفاهم الأمريكي–الإيراني، ينبغي أولًا النظر إلى المسار الذي سبق مذكرة يونيو.
ففي أبريل 2026، تم التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين، ارتبط في الجانب الأمريكي بضرورة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وجاء ذلك بعد تصعيد عسكري واسع وضغوط متبادلة. كما لعبت باكستان دورًا في الوساطة، في محاولة لنقل الصراع من ساحة المواجهة العسكرية إلى طاولة التفاوض.
ثم انتقلت العملية الدبلوماسية إلى مرحلة أكثر تنظيمًا في يونيو، مع توقيع مذكرة التفاهم في سويسرا، ومشاركة باكستان وقطر في الوساطة، ووجود خارطة طريق تهدف إلى الوصول إلى اتفاق نهائي خلال ستين يومًا.
وهذا التسلسل الزمني يكشف أن الاتفاق لم يولد من بيئة مستقرة، وإنما جاء نتيجة ضغوط عسكرية وسياسية متراكمة، ولذلك فإن هشاشته لا ترتبط فقط بنصوصه، وإنما أيضًا بالظروف التي أنتجته.
أولًا: تعدد ساحات الصراع
المشكلة الرئيسية أمام أي اتفاق أمريكي–إيراني تتمثل في أن الصراع لا يجري بين دولتين فقط. فهناك جبهات متعددة، وفي مقدمتها لبنان والعراق واليمن والخليج، إلى جانب المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل. وهذا يجعل أي تفاهم ثنائي معرضًا للاختبار بمجرد وقوع حادث عسكري في إحدى الجبهات الإقليمية. فإذا توقفت العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران، لكن استمر التصعيد في جبهة أخرى، فإن السؤال سيطرح فورًا حول حدود الاتفاق: هل يشمل جميع الأطراف المرتبطة بالصراع؟ وهل تملك الدول الموقعة القدرة الفعلية على ضمان التزام القوى المتحالفة معها؟
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الهشاشة؛ وهي الفجوة بين الاتفاق السياسي الرسمي وبين القدرة على ضبط جميع الفاعلين العسكريين على الأرض.
ثانيًا: مضيق هرمز.. ورقة ضغط أم نقطة ضعف مشتركة؟
يظل مضيق هرمز إحدى أهم الأوراق الجيوسياسية في المواجهة.
فالممر البحري لا يمثل مجرد قضية إيرانية أو أمريكية، وإنما يرتبط مباشرة بأمن الطاقة والتجارة العالمية واقتصادات دول الخليج.
ولهذا ظهر المضيق في قلب المفاوضات منذ أبريل، عندما ربطت واشنطن وقف هجماتها بفتح الممر أمام الملاحة.
وتكشف هذه المسألة عن معادلة مزدوجة:
إيران تستطيع استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط.
لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل أن استمرار تعطيل الملاحة يفرض تكلفة اقتصادية وسياسية عليها وعلى المنطقة والعالم.
ومن ثم فإن تحويل المضيق إلى أداة تفاوضية قد يمنح طهران نفوذًا مؤقتًا، لكنه يجعلها أيضًا طرفًا تحت ضغط دولي واسع كلما تعرضت حرية الملاحة للخطر.
ثالثًا: البرنامج النووي.. جوهر الخلاف
يبقى البرنامج النووي الإيراني أكثر الملفات حساسية في أي تفاوض أمريكي–إيراني.
فالخلاف لا يتعلق فقط بوجود برنامج نووي سلمي، وإنما بمستوى التخصيب، وحجم المخزون، وآليات الرقابة، والضمانات المتعلقة بعدم تحويل القدرات النووية إلى برنامج عسكري.
ومن هنا فإن أي اتفاق لا يقدم آليات واضحة وقابلة للتحقق للرقابة على البرنامج النووي سيظل عرضة للتأويل المتناقض من الطرفين. كما أن الفارق بين تقييد القدرات النووية وتفكيكها بالكامل ليس فارقًا لغويًا، وإنما يمثل جوهر الخلاف الاستراتيجي بين واشنطن وطهران.
رابعًا: إسرائيل.. العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل التفاهم
يمثل الموقف الإسرائيلي عنصرًا حاسمًا في مستقبل أي اتفاق أمريكي–إيراني.
فإسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني من زاوية أمنها القومي المباشر، ولذلك فإن أي تسوية أمريكية مع طهران لا تتضمن ضمانات تراها تل أبيب كافية قد تظل معرضة للاختبار.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تنتقل المواجهة إلى لبنان أو إلى مواقع مرتبطة بالقوى الحليفة لإيران. وبذلك يمكن أن ينشأ وضع بالغ الحساسية: اتفاق بين واشنطن وطهران، في الوقت الذي تستمر فيه مواجهة عسكرية بين إسرائيل وقوى مرتبطة بإيران.
وهنا يصبح السؤال المركزي: هل يستطيع الاتفاق الثنائي احتواء صراع إقليمي متعدد الأطراف؟
خامسًا: التحدي الاقتصادي.. القوة مقابل القدرة على الصمود
لا يمكن فصل الأمن الإيراني عن الاقتصاد.
فالعقوبات الطويلة، وتقييد صادرات النفط، وصعوبة الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، كلها عوامل تفرض ضغوطًا مستمرة على الاقتصاد الإيراني.
وفي المقابل، تمتلك إيران موارد وأدوات اقتصادية يمكن استخدامها في التفاوض، خصوصًا الطاقة والموقع الجغرافي.
لكن المشكلة تكمن في أن القدرة على استخدام هذه الأدوات لا تعني بالضرورة القدرة على تحمل كلفة استخدامها لفترة طويلة.
ومن هنا فإن الاقتصاد يمثل في الوقت نفسه أداة قوة وأحد مصادر الهشاشة.
مؤشرات الهشاشة بعد مذكرة يونيو
يمكن تحديد عدد من المؤشرات التي تجعل التفاهم الأمريكي–الإيراني هشًا وقابلًا للاختبار.
1 ـ اختلاف تفسير الالتزامات
كلما كانت صياغة الاتفاق قابلة لتفسيرات متعددة، زادت احتمالات الخلاف حول التنفيذ.
فالفرق كبير بين وقف مؤقت للعمليات العسكرية وبين إنهاء الحرب، وبين فتح جزئي للملاحة وبين ضمان حرية الملاحة بصورة مستدامة، وبين قبول التخصيب المدني وبين الاتفاق على حدود دقيقة للبرنامج النووي.
2 ـ تعدد الأطراف المؤثرة
الاتفاق الأمريكي–الإيراني لا يحدث في فراغ سياسي.
فإسرائيل، ودول الخليج، والقوى المسلحة المرتبطة بإيران، وتركيا، وروسيا، والصين، وغيرها من الأطراف، كلها تمتلك مصالح مباشرة أو غير مباشرة في مخرجات الأزمة.
وهذا يجعل الاتفاق الثنائي بداية لمسار تفاوضي أطول، وليس بالضرورة نهاية للصراع.
3 ـ هشاشة الردع المتبادل
كل طرف يريد أن يحتفظ بقدرة تمنع الطرف الآخر من الاعتقاد بأنه يستطيع فرض شروطه بالكامل. ولهذا فإن أي حادث أمني كبير يمكن أن يعيد إنتاج منطق الرد والرد المقابل.
التداعيات المباشرة على أمن الخليج
لقد أثبتت التطورات الإقليمية أن دول الخليج لم تعد تستطيع التعامل مع الصراع الإيراني–الأمريكي باعتباره صراعًا بعيدًا عن أمنها الوطني.
فالقواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في المنطقة، والممرات البحرية، والمنشآت النفطية، والمطارات، وشبكات الطاقة، كلها يمكن أن تصبح جزءًا من معادلة التصعيد.
وقد برهنت أحداث سابقة على ذلك، ومنها الهجوم الإيراني بالصواريخ على قاعدة العديد في قطر في يونيو 2025، الذي أعلنت الولايات المتحدة وقطر اعتراضه وعدم وقوع خسائر بشرية بين العسكريين الأمريكيين أو القطريين.
وهنا تظهر حقيقة استراتيجية مهمة:
وجود المظلة الأمنية الأمريكية يمثل عنصر ردع، لكنه في الوقت نفسه يجعل بعض المنشآت الخليجية مرتبطة مباشرة بحسابات الصراع الأمريكي–الإيراني.
وهذه ليست دعوة إلى القطيعة مع واشنطن، وإنما دعوة إلى إعادة تعريف مفهوم الشراكة الأمنية.
من الحماية الخارجية إلى إدارة المخاطر
المعادلة الخليجية الجديدة لا ينبغي أن تقوم على الاختيار بين الولايات المتحدة أو إيران أو أي قوة دولية أخرى. الأكثر واقعية هو الانتقال من مفهوم الاعتماد الكامل على طرف واحد إلى مفهوم تنويع مصادر الأمن وإدارة المخاطر.
فدول الخليج تحتاج إلى الشراكة الأمريكية في مجالات عديدة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى بناء قدراتها الذاتية في الدفاع الجوي، والأمن البحري، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية، وأمن الطاقة.
وهذا يعني الانتقال من مفهوم «استئجار الأمن» إلى مفهوم «المشاركة في صناعة الأمن».
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: تهدئة مسلحة
قد يستمر التفاهم الأمريكي–الإيراني مع بقاء مستوى من الردع المتبادل.
وفي هذا السيناريو تتراجع العمليات العسكرية الكبرى، بينما تستمر الرسائل السياسية والعسكرية والضغوط الاقتصادية. وتكون النتيجة استقرارًا نسبيًا، لكنه يظل قابلًا للانتكاس عند حدوث أزمة جديدة.
السيناريو الثاني: انهيار التفاهم
يمكن أن يؤدي خرق كبير للاتفاق أو تصعيد إسرائيلي–إيراني أو هجوم على منشأة حيوية إلى إعادة المنطقة إلى المواجهة.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن أي تصعيد في مضيق هرمز يمكن أن يتجاوز أطراف الصراع المباشرة ليؤثر في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
السيناريو الثالث: اتفاق إقليمي أوسع
قد تقود الضغوط المتراكمة إلى توسيع دائرة التفاوض لتشمل قضايا الأمن البحري والبرنامج النووي والصواريخ والقوى الإقليمية. وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول المذكرة الحالية من مجرد وقف للتصعيد إلى مدخل لترتيب أمني إقليمي أوسع. لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب موافقة أطراف متعددة، وهو ما يجعله أكثر تعقيدًا من الاتفاق الثنائي.
ماذا تعني الأزمة لدول الخليج؟
لا ينبغي أن يكون الدرس الخليجي هو انتظار نتيجة الصراع الأمريكي–الإيراني.
بل ينبغي أن يكون بناء القدرة على التعامل مع مختلف النتائج.
أولًا: تعزيز أمن الممرات البحرية
يتطلب ذلك تطوير بدائل لوجستية، وزيادة القدرات الوطنية والإقليمية لحماية الملاحة، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية من الطاقة.
ثانيًا: بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي أكثر تكاملًا
يمثل خطر الصواريخ والطائرات المسيرة أحد أبرز التحديات الأمنية الحديثة.
ومن ثم فإن تبادل المعلومات والإنذار المبكر والتنسيق العملياتي بين دول الخليج يمكن أن يقلل من مخاطر الهجمات المفاجئة.
ثالثًا: تطوير الصناعات الدفاعية المحلية
لا يعني ذلك الاستغناء عن الشراكات الدولية، وإنما تقليل الاعتماد الكامل على الخارج في بعض القدرات الحيوية.
رابعًا: تنويع الشراكات الدولية
يمكن لدول الخليج توسيع علاقاتها الاقتصادية والتقنية والدفاعية مع قوى دولية متعددة، مع الحفاظ على الشراكات القائمة. والهدف هنا ليس استبدال تحالف بتحالف، وإنما توسيع هامش الحركة الاستراتيجية. التقييم الاستراتيجي
تكشف الأزمة عن مفارقة أساسية في الموقف الإيراني. فإيران تمتلك أوراق قوة حقيقية، وفي مقدمتها الجغرافيا، والطاقة، ومضيق هرمز، والقدرات الصاروخية، وشبكة العلاقات الإقليمية. لكن امتلاك أدوات القوة لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها دون تكلفة.
وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة قدرات عسكرية وسياسية هائلة، لكنها تواجه هي الأخرى مشكلة إدارة صراع متعدد الجبهات، والحفاظ على التزاماتها الإقليمية، وتحقيق التوازن بين الردع والدبلوماسية.
ولهذا فإن الأزمة لا يمكن اختزالها في سؤال: من الأقوى؟
السؤال الأكثر دقة هو:
من يستطيع تحويل عناصر القوة التي يمتلكها إلى نتائج سياسية مستقرة بأقل تكلفة ممكنة؟
وهنا تحديدًا تظهر هشاشة الوضع الإيراني، كما تظهر في الوقت نفسه حدود القدرة الأمريكية على فرض تسوية منفردة.
الخاتمة
إن مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية تمثل خطوة مهمة نحو خفض التصعيد، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء الصراع. فالفجوة بين وقف العمليات العسكرية والوصول إلى سلام مستدام لا تزال واسعة، كما أن تعدد أطراف الأزمة يجعل أي اتفاق ثنائي عرضة للاختبار من خارج طرفيه المباشرين.
وتبقى إيران أمام معادلة صعبة: فهي تمتلك أوراق ضغط استراتيجية مهمة، لكن استخدامها لهذه الأوراق يرتبط بتكاليف اقتصادية وسياسية وأمنية، كما أن قدرتها على ضبط جميع مسارات التصعيد الإقليمي تظل عنصرًا حاسمًا في نجاح أي تفاهم.
أما دول الخليج، فإن الدرس الأهم بالنسبة إليها هو أن أمنها لا ينبغي أن يكون رهينة لتقلبات العلاقات بين واشنطن وطهران أو لطبيعة المواجهة بين إيران وإسرائيل.
فالأمن الخليجي المستدام يتطلب شراكات دولية قوية، لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى قدرات ذاتية، وتنسيق إقليمي، وتنويع اقتصادي وعسكري وتقني، وقدرة مستقلة على إدارة الأزمات.
إن مستقبل الخليج لن يتحدد فقط بما ستقرره واشنطن أو طهران أو تل أبيب، وإنما كذلك بقدرة دول الخليج نفسها على الانتقال من موقع المتأثر بالصراع إلى موقع الفاعل في صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي.
وهذه هي المعادلة الأهم في المرحلة المقبلة:
لا عزلة عن العالم، ولا اعتماد كامل على الخارج، وإنما شراكات متعددة تقوم على المصالح المتبادلة، وقدرات ذاتية تجعل القرار الخليجي أكثر استقلالًا وقدرة على مواجهة تقلبات الإقليم.–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
