الحاج يوسف برغوت فلاح عتيد من قريتنا ، في زمن سيادة الفلاح المصري وتقدمه كل الصفوف وكل الفئات ، حتى غنينا له مع صلاح جاهين والعندليب ( للفلاح أبو خير وجمايل ) ، أرضه هي عشقه وبيته ومأواه ومَلاذه ، لايكاد يفرغ من صلاة الفجر حتى يهرع إليها كأنه على موعد غرامي معها !!.
اليوم هو أول أيام امتحان الثانوية العامة ، ومأمون ولد الحاج يوسف تلميذ نبيه مُجتهد طَموح ، مثل الآلاف في شتى ربوع المحروسة ، استعد للامتحان بجهده وعرقه ، وسهره على الضوء الباهت الخافت للمبة الجاز نمرة عشرة ، وعلى طبلية وسط حوش الدار المسقوفة بفروع الشجر ، تلعب الفئران بين ثقوبها الاستغماية ، لا كتب خارجية ، ولا مذكرات ، ولا دروس خصوصية ، ولا سناتر ، ولا مُنشطات ولا مقويات ولا محاليل مُعلقة للمحروس طوال العام ، ولا جامعات خاصة ، ولا أهلية ، ولا مهلبية ، ولا تلك المعجنة التي نتمرغ فيها هذه الأيام ، فأفسدت كل شئ ، وصار بلا طعم ولا رونق ولا بريق ، ولا ثقة !!.
الحاج يوسف برغوت رجل بسيط يعيش بالفطرة والسليقة ، يريد من ولده مأمون أن يصحبه إلى الغيط لتنقية بعض الحشائش الضارة في أرض الذرة ، مأمون الذي يشارك والده في كل ما يخص الأرض والزرع ، بل يساهم في صناعة الطوب مع الفلاحين يداً بيد ، يحاول أن يوضح لوالده أن هذا مستحيل ، وأنه إذا لم يذهب إلى الامتحان اليوم ، سوف يرسب في اللغة العربية ، ومَن يرسب في مادة واحدة سيرسب العام كله ، ولكن تذهب توسلاته سدي !!.
الحاج يوسف مُصمم ، ويتهم ولده بالتهرب من العمل في الغيط معه ، والولد يبكي ، يتجمع الجيران ، يتصدى رجل مستنير من أهل الحيّ للحاج يوسف ويقنعه بضرورة ذهاب ولده إلى الامتحان ، يوافق الحاج يوسف على مضض ، وعلى غير اقتناع !!.
يحصل مأمون على الثانوية العامة بتفوق ، يلتحق بكلية الصيدلة ، ثم ، يصير أستاذاً في كلية الصيدلة ، ووكيلاً لنقابة الصيادلة في الدقهلية !!.
يموت الدكتور مأمون ، وتأتيني ابنتي ذات يوم لتقول لي بأنها سعيدة لرؤية لافتة على واحد من أهم مدرجات كلية الصيدلة / جامعة المنصورة ، يحمل اسم الدكتور مأمون يوسف برغوت !!.
كانت الصورة شديدة الوضوح ، وكل الذين كانوا في الصورة عُشّاق لأعمالهم ، ولوطنهم ، مُخلصون حد التفاني ، ويستحقون أن نغني لهم مع صلاح جاهين والعندليب ( كلنا هنا في الصورة ) ، وقبل أن تُشوّه مَعالم الصورة وتبهت ملامحها !!.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
