د. عامر عيد يكتب.. إيران تواجه الحصار البحري الأمريكي .. مأزق ترامب في الشرق الأوسط يزداد عمقا مع تحرك وكلاء إيران في اليمن والعراق (1-2)

إيران مستعدة لخوض حرب أكثر شدة وتصعيد ضرباتها إذا واصلت الولايات المتحدة مهاجمة أراضيها وبنيتها التحتية، بحسب مسؤول إيراني رفيع؛ وقال المسؤول، إن طهران لا تعتزم التراجع أمام الحصار البحري الأمريكي والهجمات على ناقلاتها النفطية؛ وأضاف أن الضغوط الاقتصادية قد تزداد، لكن القيادة الإيرانية ترى في الحرب مع واشنطن تهديدًا وجوديًا لا يترك أمامها سوى مواصلة القتال؛ وتأتي هذه التصريحات مع استمرار القتال بين البلدين للشهر السابع، وسط مؤشرات محدودة على تراجعه؛ وقالت واشنطن إن إحدى سفنها الحربية اضطرت إلى المناورة لتفادي هجوم إيراني، وردت بتدمير خمس ناقلات طاقة إيرانية؛ وأطلقت طهران لاحقًا نحو 20 صاروخًا على قاعدة جوية أردنية تستخدمها القوات الأمريكية، كما هاجمت سفنًا حربية أمريكية وسفنًا تجارية؛ وأدت الهجمات المتبادلة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، إذ تجاوز خام برنت 100 دولار للبرميل هذا الأسبوع، بزيادة تقارب 65% منذ بداية العام؛ كما سجلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسيًا، ما يزيد الضغوط على الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر.

إيران ومأزق ترامب في الشرق الأوسط

وقلل ترامب من مخاوف ارتفاع أسعار الطاقة، مؤكدًا أن الحرب ستنتهي قريبًا، وقال إن إيران “لا تستطيع الصمود أكثر”؛ لكن صحيفة “وول ستريت جورنال” أفادت بأن مسؤولين أمريكيين كبارًا، بينهم نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، بحثوا احتمال عدم استسلام إيران واستمرار الصراع حتى نهاية ولاية ترامب في يناير 2029؛ وقال المسؤول الإيراني إن بلاده تعمل منذ انتهاء أشد مراحل الحرب في أبريل على إعادة بناء قدراتها العسكرية، وإنها تملك ما يكفي من الصواريخ لخوض حرب طويلة الأمد.

وبعد أكثر من سبعة أشهر على بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تتفاقم الاضطرابات في الشرق الأوسط، فيما تبدو إدارة الرئيس دونالد ترامب عاجزة عن إيجاد مخرج من الصراع؛ فقد أصبح مضيقا هرمز وباب المندب مغلقين إلى حد كبير، بينما استهدف مسلحون عراقيون متحالفون مع إيران خط أنابيب شرق-غرب السعودي، الذي كانت الرياض تستخدمه لتجاوز مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، وقفز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى 4.30 دولارات للغالون؛ ومع استنزاف مخزونات الذخائر الأمريكية وتزايد مخاطر استهداف القواعد الأمريكية، تحولت واشنطن من العمل العسكري إلى الضغط المالي على إيران، لكن النظام الإيراني لا يزال متماسكا، فيما أظهرت تحركات وكلاء طهران في المنطقة قدرة متزايدة على التأثير في مسارات الحرب.

ويقول الباحث آدم بارون لجريدة الواشنطن بوست الأمريكية إن شبكة إيران الإقليمية أثبتت قوة وتكاملا وقدرة على التكيف، رغم إضعاف الحرب لإيران؛ وفي اليمن، عادت المعارك بين الحوثيين والقوات المدعومة من السعودية بعد أن كان وقف إطلاق النار الهش قائما، بينما كثفت إسرائيل ضرباتها في جنوب لبنان مهددة وقف إطلاق النار هناك؛ ورغم تعرض المصالح السعودية لهجمات، قلل ترامب من خطورة تحركات الحوثيين، وقال إنهم يسمحون لمعظم السفن بالمرور، فيما امتنعت السعودية عن الرد على الميليشيات المتمركزة في العراق، لإتاحة المجال أمام بغداد لمعالجة الأزمة؛ وفي ظل تصاعد الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، تجد حلفاء واشنطن أنفسهم عالقين بين تداعيات الحرب وعدم الرغبة في انتصار إيران أو إسرائيل بصورة مطلقة؛ ويقول الباحث عريب الرنتاوي إن الأردن “في قلب حرب لا نريد أن نرى أحدا ينتصر فيها”، مضيفا: “نحن تحت الضغط؛ ونحن في المنتصف”.

الخط السعودي وتهديد بن سلمان وترامب

وقال مشترو نفط وتجار سعوديون إن مخزونات المملكة من النفط ‌المخصصة للتصدير ستنفد إذا لم تستأنف تشغيل خط أنابيبها الرئيسي المؤدي إلى البحر الأحمر في غضون أيام، محذرين من إمكانية فقد ما ⁠يصل إلى أربعة بالمئة من الإمدادات العالمية؛ ومنذ أن أجبرت هجمات بالطائرات المسيرة المملكة على إغلاق خط أنابيب شرق-غرب الضخم يوم الجمعة، لم تقدم الرياض تفاصيل كاملة عن حجم الأضرار أو المدة التي سيظل فيها الخط متوقفا؛ وذكرت ‌ثلاثة ⁠مصادر مطلعة أنه مع توقف خط الأنابيب عن العمل، لا يوجد في ينبع الآن سوى مخزون يكفي للحفاظ على ⁠الصادرات لمدة تتراوح بين خمسة وسبعة أيام فقط؛ وذكر مصدر رابع أن السعودية تمتلك أيضا ⁠مخزونا يكفي لتزويد العملاء لعدة أيام من مينائي عين السخنة على ⁠البحر الأحمر وسيدي كرير على البحر المتوسط في مصر.

ولعدة أشهر، ظل الصراع بين إيران والولايات المتحدة متأرجحاً بين الحرب والسلام؛ وتخللت جهود إيجاد حل دبلوماسي جولات من القتال؛ لكن خلال الأسبوع الماضي، اتسع نطاق القتال في الخليج بشكل كبير، بينما تعثرت جهود السلام؛ أدى استيلاء ميليشيا الحوثي، المتحالفة مع إيران، على معظم سواحل اليمن على البحر الأحمر إلى تحويل الأنظار إلى جبهة جديدة في الصراع؛ كما هاجم الحوثيون البنية التحتية للطاقة السعودية؛ وتزامنت تحركاتهم مع هجوم بطائرة مسيرة أجبر على إغلاق خط أنابيب النفط الذي يربط الشرق بالغرب عبر السعودية؛ ويبدو أن هذا الهجوم انطلق من العراق، حيث تنشط ميليشيات شيعية مدعومة من إيران؛ وبعد أيام، تم تأجيل المحادثات بين إيران ودول الخليج، والتي كانت تهدف إلى فتح مضيق هرمز؛ مع اتساع رقعة القتال.

قدرة المملكة وشتاء أوروبا

تجد السعودية نفسها الآن في خط المواجهة، مما يُهدد قدرة المملكة على تصدير النفط وخطط التنمية الطموحة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ وتتزايد القيود على إمدادات الطاقة مع دخول العالم الغربي فصل الشتاء؛ وهذا بدوره يُقوّض مزاعم إدارة ترامب بأن الولايات المتحدة تُحرز تقدماً تدريجياً في صراعها مع إيران؛ يمكن النظر إلى الحرب الأمريكية الإيرانية على أنها صراع ثلاثي الأبعاد؛ البعد الأول هو ساحة المعركة، والثاني هو الصراع الاقتصادي، والثالث هو صراع الروايات؛ هذه الأبعاد الثلاثة مترابطة، وتتجه حالياً ضد الولايات المتحدة؛ عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب في 28 فبراير الماضي، اعتقدتا أن تفوقهما العسكري ساحق لدرجة أنهما ستنتصران بسهولة؛ لكن قدرة إيران على الصمود أمام الهجوم الأول، ثم إغلاق مضيق هرمز ومهاجمة دول الخليج، بددت وهم الحرب القصيرة؛ أدى إغلاق المضيق وفرض الولايات المتحدة حصاراً مضاداً على إيران إلى تصعيد البعد الثاني للحرب، ألا وهو الصراع الاقتصادي؛ فمن خلال منع صادرات النفط ومهاجمة دول الخليج، كان الإيرانيون يأملون في إلحاق ضرر اقتصادي كافٍ لإنهاء الحرب بشروطهم؛ بعد أن خلصت الولايات المتحدة، على مضض، إلى أنه لا توجد طريقة عسكرية سهلة لإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، لجأت إلى شكلها الخاص من الحرب الاقتصادية.

ويهدف الحصار الأمريكي إلى انهيار الاقتصاد الإيراني عن طريق قطع صادرات النفط الإيرانية؛ قبل تدخل الحوثيين، كان البيت الأبيض يبدو واثقاً بشكل متزايد من قدرته على كسب المعركة الاقتصادية؛ فقد كانت كميات النفط تصل إلى السوق العالمية بكميات كافية للحفاظ على سعره دون مستوى 100 دولار للبرميل؛ ويبدو أن الجهود الأمريكية لحماية السفن العابرة لمضيق هرمز قد رفعت شحنات النفط إلى نحو ثلث مستويات ما قبل الحرب؛ كما سعت السعودية ودول الخليج إلى إيجاد طريق بديل حول مضيق هرمز، عبر نقل النفط عبر الأنابيب إلى موانئ البحر الأحمر وخليج عُمان؛ ويُشكل تقدم الحوثيين والهجوم على خط أنابيب الشرق والغرب تهديداً واضحاً لهذا المسار البديل؛ وإذا ما وقعت هجمات أخرى على خط الأنابيب، أو على السفن العابرة لمضيق باب المندب الضيق، فقد تنقطع إمدادات الطاقة الخليجية المتجهة غرباً بشكل كامل.

تهديدات الحوثيين وعلاقات “إسرائيل والسعودية”

يرى الباحث في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا براندون فريدمان في جريدة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، أن تهديدات الحوثيين للسعودية لن تقود على الأرجح إلى تحسن العلاقات بين الرياض وإسرائيل، رغم سعي السعودية إلى توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية والحصول على دعم عسكري لمواجهة الحوثيين؛ وجاءت تصريحات فريدمان بعد تقارير عن طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مساعدة عسكرية أمريكية، وأخرى تحدثت عن طلب غير مباشر من إسرائيل عبر القيادة المركزية الأمريكية لتبادل المعلومات وتقديم أشكال أخرى من المساعدة؛ وقال فريدمان إن التعاون الإسرائيلي السعودي منطقي في مواجهة المحور الإيراني، لكنه “غير مرجح إلى حد كبير” في الظروف الحالية، لأن السياسة الخارجية الإسرائيلية مرتبطة بالانتخابات، وأي مساعدة للرياض ستحتاج إلى أن تتم بهدوء.
وأشار فريدمان إلى أن اعتماد السعودية على الولايات المتحدة ازداد خلال السنوات الـ15 الماضية، فيما تملك “قدرا قليلا جدا” من القوة العسكرية الذاتية، معتبرا أن ذلك ساهم في فشل حربها في اليمن؛ ورأى أن الرياض قد تلجأ نظريا إلى إسرائيل والإمارات، لكنها على خلاف معهما؛ ومع تردد واشنطن في مساعدة السعودية ضد الحوثيين، بدأت الرياض البحث عن قوى إقليمية أخرى، ومنها تركيا وباكستان عبر اتفاق مكة، لكنه لم يوفر حتى الآن الدعم العسكري المطلوب، فيما رفضت باكستان إرسال قوات للقتال ضد الحوثيين؛ وحذر فريدمان من أن غياب الدعم الأمريكي قد يدفع السعودية إلى محاولة “استرضاء” إيران، التي يسعى الحوثيون من خلالها إلى الضغط على الرياض؛ وأضاف أن سيطرة الحوثيين على باب المندب وتهديدهم البنية التحتية النفطية السعودية قد يخنقان صادرات المملكة، مشيرا إلى استهداف خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل نحو 4 ملايين برميل يوميا؛ ويرى فريدمان أن الرياض ما تزال تأمل في تدخل واشنطن ضد الحوثيين وإيران، لكن توسع الحرب لا يحظى بحماس أمريكي، ما يترك السعودية تحت ضغط متزايد في ظل غياب موقف خليجي موحد.

وإلى لقاء قادم باذن الله.


الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

أمريكا تمنح الأمم المتحدة مهلة إضافية قبل إنهاء دعمها لقوات حفظ السلام بالصومال

الاخبارية – وكالات أظهرت وثيقة أن الولايات المتحدة وافقت على منح الأمم المتحدة عاما آخر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *