نحمل أنفسنا فوق ما تحتمل، نلومها على كل هفوة، ونستعيد أخطاءها القديمة، حتى يغدو ما نفعله بها أشد وطأة مما تلقيه الأيام في طريقنا.
نطالب أنفسنا دائما بأن تكون أقوى، وأكثر صبرا، وأكثر قدرة على الاحتمال، ثم ننسى أنها تتعب، وأنها قد تحتاج إلى سكون يريحها، وكلمة طيبة تسندها، ومساحة من الرحمة تستعيد فيها توازنها.
كأننا نسينا أن النفس أمانة، وأن الأمانة تحتاج إلى الرعاية والتهذيب، لا إلى القسوة والهدم.
قال الله تعالى:
وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) سورة النساء
ونفسك أمانة بين يديك، وهبك الله إياها لتصونها وتزكيها، وتعينها على الخير، لا لتجعل من كل خطأ حكما نهائيا عليها، ولا من كل تعثر سببا لفقدان ثقتها بنفسها.
وفي الحديث الشريف: إن لنفسك عليك حقا.
والمعنى أوسع من مجرد الراحة؛ فهو دعوة إلى التوازن، وألا يرهق الإنسان نفسه في واجب على حساب آخر، أو في العطاء حتى يهمل جسده وأهله وراحته.
للنفس حق، وللجسد حق، وللأهل حق، وللعبادة والعمل حق، والحكمة أن تعطي كل ذي حق حقه.
فالعناية بالنفس ليست أنانية، والراحة ليست ضعفا، إنما هي أن تحفظ الأمانة التي استودعك الله إياها.
وللنفس كذلك حق في السكينة، وحق في الرفق، وحق في أن تخطئ ثم تتعلم، وتتعب ثم تستعيد قوتها، وتتراجع ثم تبدأ من جديد.
فالرحمة بالنفس تمنحك القدرة على إصلاحها دون أن تحطمها.
فلا تجعل من الخطأ سجنا، ومن الندم عقوبة لا تنتهي، فهذا لا يصلح ما مضى، ولا يبني ما هو آت.
أنت أحوج ما تكون إلى نفس تقف إلى جانبك، لا إلى نفس تخاف منها.
فكن لنفسك عونا على الطريق، لا عبئا فوق أعبائها.
واجعل رحمتك بها بابا إلى إصلاحها، لا ذريعة لإهمالها.
فربما كان أجمل ما تفعله لنفسك في نهاية يوم طويل، أن تقول لها لن أتخلى عنك.
سأصلحك، وأحملك معي، ونبدأ من جديد.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
