خلال أشد مراحل القتال، واصل مسؤولو المخابرات المصرية التنسيق مع نظرائهم الإسرائيليين بشأن غزة، مع تبادل زيارات عدة بين القاهرة وتل أبيب؛ وبجمع كل ذلك، يمكن القول إن سياسة مصر تجاه غزة كانت محاولة واسعة من جانب السيسي للسير بين قطرات المطر، موازنة مطالب الرأي العام المصري باتخاذ موقف لصالح سكان غزة والفلسطينيين عموماً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة؛ وكانت النتيجة غنية بالرمزية، فقيرة في الفاعلية؛ تبعد طهران نحو 1200 ميل عن القاهرة.
مصر والحل الدبلوماسي
وعندما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب إسرائيل، عملية “الغضب الملحمي” في أواخر فبراير من العام الحالي، كانت الجغرافيا وحدها كافية للإشارة إلى أن دور مصر في الصراع سيكون محدوداً؛ وإذا أضفنا إلى ذلك التحسن التدريجي والحذر في العلاقات بين مصر وإيران خلال السنوات الأخيرة، يصبح مفهوماً لماذا اختارت القيادة المصرية، مرة أخرى، أن تلتوي دبلوماسياً بطريقة تسمح لها بتغطية جميع قواعدها؛ وطوال أكثر مراحل القتال في إيران كثافة، كانت مصر جزءاً من مجموعة ضمت السعودية وتركيا وقطر وباكستان، وسعت إلى إيجاد حل دبلوماسي للأزمة.
الدول الأخرى تتمتع بنفوذ أكبر لدى إيران والولايات المتحدة من ذلك الذي تتمتع به مصر، وهو ما جعلها أكثر قدرة على لعب دور الوسيط أو ناقل الرسائل؛ وكأن إشراك المصريين في المكالمات التنسيقية بين وزراء خارجية السعودية وتركيا وقطر وباكستان، فضلاً عن الاجتماعات التي عُقدت بينهم من حين إلى آخر، كان نوعاً من المجاملة لصديق قديم؛ إشارة احترام لمصر أكثر منه دليلاً على ثقل القاهرة الدبلوماسي؛ وربما لم يكن ذلك مهماً كثيراً بالنسبة للسيسي؛ فقد كان يكفي، على الأرجح، أن يظهر وزير خارجيته مشاركاً في هذه التحركات، بما يخلق انطباعاً باستمرار النفوذ والمكانة الإقليمية لمصر؛ وقد نجح ذلك إلى أن كشف الإماراتيون حدود هذه المناورة؛ فمنذ أن أنهى السيسي تجربة الحكم الإسلامي في مصر في يوليو 2013، تلقت القاهرة قدراً هائلاً من الدعم الإماراتي؛ وعندما انهالت موجات من الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية على دبي وأبوظبي، كان المصريون أسخياء في بيانات التضامن مع أشقائهم الإماراتيين، لكنهم كانوا أكثر تحفظاً بكثير عندما تعلق الأمر بتقديم مساعدة فعلية.
غضب اماراتي وسعودي من مصر
ويبدو واضحاً أن الإماراتيين ألمحوا إلى أنهم قد لا يعودون راغبين في الاستمرار في تعويم الاقتصاد المصري؛ ودفع ذلك السيسي إلى إرسال سرب من مقاتلات “رافال” إلى الإمارات، ثم زيارة السيسي لمحمد بن زايد؛ وتناول الاثنان الغداء في مركز تجاري بأبوظبي؛ ومثلما حدث في غزة، كانت مصر تتحسس طريقها بحذر بين مصالحها المتنافسة؛ ومن بين جميع ساحات الصراع في المنطقة، تمثل اليمن والبحر الأحمر الساحة الأكثر أهمية لمصر، ومع ذلك لم تكن القاهرة نشطة بالقدر نفسه في محاولة إيجاد حل؛ فمنذ عام 2023، عندما كثف الحوثيون هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر، خسرت مصر ما يقدر بنحو 10 إلى 11 مليار دولار من رسوم قناة السويس؛ وهذا مبلغ ضخم بالنسبة إلى دولة فقيرة؛ وبعد أن شق الحوثيون طريقهم أخيراً بالقتال إلى المناطق المحيطة بباب المندب، حيث يلتقي البحر الأحمر بخليج عدن، قيل إن القاهرة حذرتهم من العبث بحركة الملاحة وبمصدر الإيرادات المستمر الذي توفره لمصر.
لكن عندما توجه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة طالباً مساعدة مصر في مواجهة التهديد الحوثي للمملكة ولملاحتها البحرية، لم يحصل على الكثير من الأمور الملموسة، كلمات تضامن، ووعود بالتعاون في الأمن البحري، وهو تعاون قائم أصلاً، واحتمال تقديم بعض المساعدة في مجال الدفاع الجوي؛ ولا بد من منح المصريين بعض الفضل في أنهم أتقنوا فن المراوغة الدبلوماسية؛ فقد عاد ولي العهد، الذي يعد بالفعل لاعباً كبيراً في المنطقة، من القاهرة من دون شيء يذكر؛ صحيح أن أشباح الجنود المصريين الذين سقطوا في التدخل المصري المشؤوم في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي لا تزال تطارد الذاكرة المصرية؛ لكن الوضع اليوم يبدو مختلفاً جذرياً.
النظام المصري والمصالح المتعارضة
عندما أرسل جمال عبد الناصر قواته إلى اليمن قبل 64 عاماً، كانت تلك حرب اختيار؛ إذ كان يدعم نظاماً جديداً يشاركه التوجهات نفسها؛ أما اليوم، فإن الحوثيين يتدخلون بصورة مباشرة في المصالح الاقتصادية المصرية، ومع ذلك لا تقدم الحكومة المصرية للسعوديين سوى القليل بخلاف الكلمات الطيبة؛ ولا أحد يقترح أن تذهب مصر إلى الحرب، لكن ماذا عن الأمن البحري؟ أو بعض المساعدة في مجال الدفاع الجوي؟ ولمن لم ينتبه، فإن الحوثيين يريدون استثمار تفوقهم الحالي والضغط على السعوديين؛ وربما لا يزعج ذلك المصريين كثيراً، على الأقل لبعض الوقت؛ فلا ينبغي أبداً الاستهانة بتعقيدات العلاقة المصرية-السعودية؛ لقد اعتاد السيسي أن يكون هو الطرف الذي يطلب المساعدة من السعودية، سواء كانت مالية أو غير ذلك.
أما الآن، وقد انقلبت الأدوار، فلا بد أن الأمر يحمل شيئاً من المتعة بالنسبة إلى السيسي؛ وفي الوقت نفسه، تعهد الحوثيون بألا يستهدفوا سوى السفن المرتبطة بالسعودية؛ وربما يحسب المصريون أن السعوديين، في غياب قوة تأتي لإنقاذهم، سيضطرون في نهاية المطاف إلى طلب السلام والتوصل إلى تسوية دبلوماسية؛ من السهل تصوير المصريين باعتبارهم مجموعة من العاجزين غير الأكفاء؛ لكن الأدلة لا تؤيد هذا الاستنتاج؛ ففي الشرق الأوسط اليوم، لا يوجد من هو أفضل من السيسي في السير على الحبل المشدود بين المصالح المتعارضة؛ ليس لديه الكثير ليضعه على الطاولة، لكن مصر تظل دائماً حاضرة حولها.
تمت،
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
