الثلاثاء , 20 أكتوبر 2026

د. جيهان رفاعى تكتب.. منذ كانت طفلة.. وصايةٌ البشر وشريعة رب البشر.



منذ كانت طفلةً، طوقت في عنقِها وصايةٌ آثمة، لم يفرضْها الله، بل نسجت خيوطها أوهام البشر، وغزلت شباكها عادات الجاهلية الأولى، لم تكن تعلم تلك الصغيرة، وهى تلهو بضفيرتها فى فناء الدار، وتنشر الفرحة يمينا ويسارا، أن العالم قد كتب عليها حكما جائرا، وأن ميزان الحياة قد مال عليها قبل أن تبلغ سن التمييز والإصابة.
فقد لقنوها وهى طفلة غرة: أنتِ عورةٌ فاستتري. وأنتِ ناقصةٌ فاصمتى، وأنتِ ضعيفةٌ فانكسري. وألعابك عيب يهجر، وحلمك كبير لا ينتظر! قالوا لها بلسان الغلظة والجفاء: أخفضى صوتك، فأخوك هو الرجل، وما كان أخوها يوما برجل، بل كان طفلا مثلها يلعب ويجول، نفخوا فيه من روح السيادة والحلول، ونفخوا فيها من روح الطاعة والذبول، حتى صدق الصبى الصغير أنه السيد المطاع، وصدقت البنت المسكينة أنها التابع المضاع، فما زالوا يقرعون مسامعها بمر القول، حتى أوهنوا عزمها الصلب، وأظلموا روضها الرحب، فصدقت أنها خلقت فى أدنى منزلة. وأغرب ما يروى فى أبواب العتب، أن التى تولت تلقينها هذا الدرس الأول فى الانكسار، لم تكن أبا قاسيا غليظ الآثار، بل أما رءوفا حانية! أم تقول لابنتها: “قومى فأخدمى أخاك”وتقول لولدها” اجلس فأنت رجل فى علاك” فربت الأم بيدها سجانها، وصنعت بنفسها من سيظلمها غدا فى زمانها، ويظلم أبنتها من بعدها فى أوانها! فأى مأساة فى الوجود أعظم خطبا، وأشد كربا، من أن تكون المرأة هى من تزرع بذرة ظلم المرأة، وتسقى شجرة شقائها مرة بعد مرة؟
إنَّ الثقافةَ الذكوريةَ ليستْ رجولةً، بل هي مرضٌ أصابَ الرجولةَ في مقتلٍ، فحولها من قوامةِ حمايةٍ ورحمةٍ، إلى قوامةِ سيطرةٍ وإذلالٍ.
فقد علموها الخوف لا الحياء.
فكبرتْ وهي تخافُ من جسدِها، وتخجلُ من كونِها أنثى.فكبرت وهى توارى جسدها خجلا، وتدارى جبلتها وجلا، وكأن كونها أنثى خطيئة لا تغتفر، ووصمة عار لا تندثر.
ونسوا أن الله كرمها منذ كانت فى صلب الغيب نطفة، فقال تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. كرم بني آدم، ذكراً وأنثى، فعمم التكريم لبنى أدم ولا يخص به الذكور.
وكيف نسوا نبى الهدى وصاحب الحوض والندى، رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدنى منه فاطمة الزهراء يقبل جبينها ويقول: “فاطمة بضعة مني”، ويسابق عائشة فى الميدان ملاطفة وإيناسا. فأى حياء هذا الذى يقتلون به مهجتها، وانما الحياء الذى شرعه الدين هو حياء العفة والصون، لا حياء الرعب والهون! .
وعندما كبرتْ.. سلبوها حق الاختيار. زوجوها بمن يرضونه هم وتهواه نفوسهم، لا بمن ترضاه نفسها، تملأ الدنيا صرخاتهم الجائرة: ” ليس للمرأة رأى يرتأى، ولا مشورة تبتغى”
ونسوا أن الإسلام جعل رضاها شرطاً لصحة العقد. ألم يبلغهم نبأ تلك الفتاة التى هرعت إلى رسول الله تشكوا والدها الذى زوجها رغما عنها، فقالت: إن أبي زوجني من أبن أخيه ليرفع بي خسيسته، فجعل النبي الأمر إليها. فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء.
أي الدينٍ يعطيها حق فسخ النكاح، وثقافةٌ تأتي لتقول لها: لا يحق لكِ أن تقولي لا؟
دين يعطيها حق الفسخ والرفض، وثقافة عمياء تطالبها بالإذعان والخفض! وحتى اذا ما دخلت بيت الزوجية، أحالوا عقد المودة والرحمة المنصوص عليه فى كتاب الله بسكون الأنفس، إلى عقد ملكية مطلق، وسجن مطبق؛
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. قال لتسكنوا إليها، ولم يقل لتسجنوا فيها.
فجاءت الثقافة الذكورية وقالت: هي ملكي، أتحكم في خروجها ودخولها وأنفاسها.
وحرفوا معنى القوامة. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. القوامةُ هنا تكليفٌ بالنفقةِ والحمايةِ والمسؤوليةِ، وليستْ تشريفاً بالسيطرةِ والجلدِ. قوامون يعني قائمون على خدمتهن وراحتهن.
فأي قوامةٍ هذه التي تجعل الرجل يجلسُ ويأمرُ، والمرأة تعملُ في الداخلِ والخارجِ وتنفقُ؟
وإذا مرضتْ أو تعبتْ.. ذكروها بأنها آلةٌ للإنجاب. وإذا لم تنجبْ، عيروها. وإذا أنجبتْ إناثاً، هجروها.
ونسوا أن الله هو الذي يهب: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩].

وإذا مات أبوها.. أكلوا ميراثها.
وقسم الميراث الذى أنزله الله تبيانا وتفصيلا، وقال فيه سبحانه: للذكر مثل حظ الأنثيين” حكما تنزيلا، ولم يقل حرمانا للمرأة ولا إسقاطا، جاءها أهلها فى ثياب الواعظين الأبرار، يخفون وراءها قلوب الذئاب الضوار، يقولون لها فى خبث ومكر “اتطلبين مالا وعرضا، واخوك لحمك ودمك له الحق فيه فرضا؟ أتقطعين أواصر الرحم من أجل حفنة تراب، ومال يزول كالسراب؟ تنازلى فزوجك يكفيك الشقاء، ويقيك العناء!
قالوا: “البنت لا تورث أرض حتى لا تذهب الأرض للغريب”. فأكلوا حقها باسم العادات. فتنازلت المسكينة لا زهدا بل خجلا، ولا قناعة بل قهرا ووجلا، تنازلت فى حواضر القاهرة الفاخرة، كما تتنازل فى قرى الصعيد الغابرة، وفى الشقق العالية الأنيقة، كما فى بيوت الطين الضيقة، لأن الثقافة واحدة وإن تباينت اللهجات، والعقلية جامدة وإن اختلفت البيئات، يأكلون حقها باسم العيب والأصول، ويسرقون مالها جهارا بغير خجل ولا خمول، ثم يهرعون إلى المساجد يصلون، وفى المحاريب يركعون، وقد غاب عن عقولهم اللاهية، ونفوسهم الواهية، أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وأن صلاة جسد نبت من سحت لن تجد قبولا ولا تقربا! فأى دين هذا الذى يرضى بالبهتان، ويأمر بظلم الإنسان؟
وقد قال الله فصلاً حاسماً لا يقبل التأويل: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]. نصيباً مفروضاً، فرضه الله، فمن أنت لتسقطه؟
ولما ضاقت بالمسكينة السبل، خرجت إلى ميدان العمل، تحدوها الآمال الفساح. وتظن أن العلم والشهادة هما باب الإنصاف والنجاح، فإذا بها تواجه الظلم فى ثوب جديد، وظل مديد. حملت أعلى الشهادات، ودخلت قاعات الاجتماعات بهيبة العلماء، فما نظروا إلى عقلها الرجيح، بل نظروا إلى جسدها المليح! إن تكلمت ببيان وفصاحة، قالوا عاطفية تفتقد المساحة! وإن حزمت أمرها بقوة وإتقان، قالوا مسترجلة تنبذ الحنان! وإن لبست ثوب الوقار والعفاف، لم يروا فيها إلا عقلا مطمعا يشتهى، لا عقلا يحترم ويهتدى؛ فغدت فى أعينهم أنثى أولا، وموظفة ثانيا، وإنسانة أخيرا إن تذكروا الإنسانية.. كيف لعقل يحمل الطب والهندسة والقانون، أن يختزل فى نظرة شهوة وفتون؟ وكيف لامرأة تداوى المريض بيديها، وتعلم الجاهل بعينيها، وتقف فى المحاكم تدافع عن المظلومين، وتعيد الحق للمستضعفين، أن يقال لها إذا آوت إلى بيتها: ” مكانك المطبخ لا تتعديه، وحدودك البيت لا تتجاوزيه؟
ثم جاءت بعد ذلك الطامة الكبرى، حين ظهر فى زماننا صنف من” أنصاف الرجال” لا هم أهل للمسؤولية ولا هم أرباب للقوامة الحقيقية! رجل واهن العزم والذمة، خائر القوة والهمة، يمد يده إلى راتب زوجته أول الشهر فيأخذه كاملا وافرا، ثم يمد يده إلى ميراثها فيلتهمه جاحدا كافرا، ثم يلقى عليها هم البيت وصخبه، ونفقه الأولاد ونصبه، من تعليم ورعاية ومرض؛ فتقوم المسكينة بكل شىء بغير غرض، تنفق من مالها الكديد، وتسهر فى الليل الشديد، وتربى بقلبها الودود، فإذا نال منها التعب وباحت بالشكوى، وطالبت بالمعونة والسلوى، أنتفض غاضبا وقال: ” هذا واجبك المفروض، وعملك المعهود!” واذا أعتلت صحتها وطلبت أن تخرج لتشم نسيم الهواء، حبسها فى جدرانها باسم الغيرة العمياء، والرجولة الحاكمة، فيحرمها من أبسط حق وهبه الله إياها وهو حق الحياة، بينما يبيح لنفسه غواية ومبتغاة! يخون ويعدد، ويصاحب ويتبدد، ويقول ملء فيه: ” أنا رجل يباح لى ما أشاء” فأى رجل أنت بربك؟ أرجل يأكل من كد امرأة تشقى؟ ويسكن فى بيت تدفع إيجاره ليبقى، ويربى أطفالا ترعاهم امرأة ساهرة، ثم يقف أمامها منتفخا متكبرا، وصائحا فاجرا: ” أنا أعلى منك درجة لأنى ذكر”؟ لا والله، ما هذه بدرجة رفيعة، بل هى دركة وضيعة، وما هذه برجولة مأثورة، بل هى نذالة وخسة لبست ثوب المروءة زورا، وصارت بين الناس فجورا.
أن الدرجة التى ذكرها الله فى محكم التنزيل بقوله: ( وللرجال عليهن درجة) لم تكن تكريما لمجرد الذكورة والنوع، بل كانت تكليفا بالنفقة والحماية. فإذا لم تنفق ولم تحم ولم تتحمل المسؤولية فى المال، فأخبرنى بربك أين درجتك فى صفوف الرجال؟

يا سادة، كونوا رجالاً كما أراد الله، إن الرجولةَ التي نريدها ليستْ في أن ترفعَ صوتَكَ عليها، بل في أن ترفعَ قدرَها.
ليستْ في أن تمنعَها من التعليمِ والعملِ، بل في أن تكونَ سنداً لها حتى تبلغَ الأمل.
إن أمنا خديجة كانت تاجرةً، وأمنا عائشة كانت عالمةً تفتي الصحابة، وأمنا خولة بنت الأزور كانت مجاهدةً.
فلا تقتلوا في المرأةِ ما أحياهُ الله. ولا تفرضوا عليها وصايةً ما فرضها الله.
إن الثقافةَ الذكوريةَ لا تهينُ المرأةَ وحدَها، بل تهينُ الرجلَ الذي يظنُ أن رجولتَهُ لا تكتملُ إلا بانكسارِها.
فلنعدْ من ثقافةِ البشرِ إلى شريعةِ ربِّ البشرِ، حيثُ قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
يا سادة المجتمع الأفاضل، ويا معشر العقلاء الأماثل، إن المرأة لا تطلب أن تكون رجلا ينافسكم، فهى فخورة بأنوثتها التى تزينكم، ولا تطلب أن تنزع القوامة من أيديكم، بل تطلب أن تعيدوا للقوامة شرفها الذى غاب عنكم. نريد رجلا ينفق بجهوده، واذا اتخذ القرار تحمل تبعته بعهوده، واذا أخذ المرأة من بيت أهلها غادة حسناء، أكرمها إكرام الأحرار للجوهرة والدرة العصماء، نريد أن ننتهى من هذا المشهد العبثى الأليم، والواقع المقلوب السقيم: امرأة تعمل كالرجال فى الميادين، وتنفق كالرجال فى الموازين، وتربى كالرجال والنساء معا فى كل حين، ثم فى آخر الليل تعامل معاملة الجارية المستكانة، لا رأى يسمع لها، ولا حق لها فى نسمة هواء تبتغ، فلندع أهواء البشر، ولنستمسك بشريعة رب البشر، حيث استقرت العدالة فى أبهى صورها، وتقررت الحقوق فى أعدل موازينها، إذ يقول الحق سبحانه: ( ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف)، فما أخصب ظلال الشريعة لمن عقل، وما أجدب أودية الجاهلية لمن ضل ومال!

شاهد أيضاً

الرحبي يهنئ المرأة العمانية بمناسبة يومها السنوي

كتب عادل البكل في السابع عشر من أكتوبر من كل عام، تحتفي سلطنة عمان بيوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *