فى الوقت التي تتطلع فيه مصر الى تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة, تبرز مجموعة من الاسئلة الجوهرية التي ينبغي أن تتصدر مناقشات منتدى مصر 2026 , هل يمكن تحقيق تنمية مستدامة دون مكافحة حقيقية للفساد ؟ هل يجوز ان ينشغل الحوار الوطني بمعدلات النمو الاقتصادي بينما تظل قضايا الحريات العامة والمساءلة وحقوق المواطنين وأمانهم فى مساكنهم وممتلكاتهم بحاجة الى نقاش جاد ؟
ان هذه الاسئلة ليست ترفا سياسيا ولا محاولة لتعطيل مسيرة التنمية بل هى فى صميم أى مشروع وطني يسعى الى بناء دولة قوية واقتصاد منتج ومجتمع يشعر ابناؤه بأن حقوقهم مصونة وان القانون يسرى على الجميع دون استثناء .
اولا: النموذج الصيني .. هل نأخذ منه التنمية أم نتجاهل ثمن غياب التعددية ؟
يستشهد البعض بالتجربة الصينية لإثبات قدرة الدولة على تحقيق انجازات اقتصادية ضخمة دون تبنى الديمقراطية التعددية , وقد حققت الصين بالفعل نجاحات كبيرة بفضل التخطيط طويل الأجل والبنيه التحتية والتوسع الصناعى وتنمية الصادرات وبناء قدرات تكنولوجية وتنافسية هائلة .ومن حق مصر دراسة هذه التجربة والاستفادة من عناصر نجاحها الملائمة لظروفها, لكن لا ينبغي اختزالها فى فكرة أن “السياسة ليست ضرورية مادامت المعيشة جيدة ” فالنجاح الصيني لم ينتج عن غياب التعددية وحده , بل عن سياسات اقتصادية وصناعية وادارية متكاملة ومؤسسات كفؤة وتعليم واستثمار منتج وقدرة على تصحيح الأخطاء .لذلك لا تحتاج مصر استنساخ النموذج الغربي أو الصيني بل الى بناء نموذجها الخاص مستفيدة من التخطيط والانضباط المؤسسي والتصنيع دون التفريط فى الحقوق الدستورية وأليات الرقابة والمساءلة .
ثانيا : الفساد ..الخطر الذى يلتهم ثمار التنمية
لا نهضة اقتصادية حقيقية دون وضع مكافحة الفساد فى مقدمة الاولويات. فالفساد يهدر المال العام ويضعف الثقة ويقوض تكافؤ الفرص والمنافسة والاستثمار ويجعل المواطن يشك فى تطبيق القانون على الجميع .
واذا أثارت التصنيفات الدولية القلق بشأن موقع مصر فينبغي مناقشة المؤشرات والسنوات بدقة ثم تجاوز الجدل حول الترتيب الى بحث اسباب القصور وسبل علاجه كما يجب ان تتحول التصريحات الرسمية بشأن عدم التسامح مع الفساد الى سياسات ونتائج قابلة للقياس , تشمل استغلال جهات الرقابة والتحقيق الشفافية فى التعاقدات والانفاق العام وحماية المبلغين وضمان المحاسبة وفق القانون
ثالثا : الدستور ليس نصا للزينة ..بل عقد ملزم بين الدولة والمواطن
الدستور ليس وثيقة يستشهد بها فى المناسبات بل اطار يحدد سلطات الدولة وحدودها ويقرر الحقوق والضمانات وينظم الرقابة والمساءلة
ومن هنا .. ينبغى ان يناقش منتدى مصر 2026 مدى تنفيذ الالتزامات الدستورية وضمانات احترام الدستور والقانون وأليات مساءلة من تثبت مسؤوليته عن مخالفته وفق الاجراءات والاختصاصات القانونية وتستحق المادتان 159 ,173 نقاشا متخصصا حول نطاق تطبيقها والجهات المخاطبة بهما وضمانات التحقيق والمحاكمة ولا ينبغي أن يكون الاحتكام الى الدستور انتقائيا أو أن تختلف قيمة نصوصه باختلاف الأشخاص وفى المقابل لا تعنى المساءلة الدستورية إدانة أحد بمجرد الاتهام بل تتطلب إجراءات عادلة واختصاصات واضحة وضمانات تحمى المجتمع والافراد
رابعا : إغلاق المجال السياسي هل يعزز الاستقرار أم يفاقم الازمة ؟
قد يرى البعض ان تضييق المجال السياسي يسرع اتخاذ القرار ويعزز الاستقرار لكن غياب الرقابة وتراجع حرية التعبير والمشاركة يضعفان القدرة على اكتشاف الاخطاء وتصحيح السياسات, فالاقتصاد يحتاج الى الثقة ووضوح القواعد واستقرار التشريعات ومؤسسات تستمع الى النقد وتراجع النتائج وعندما تتقلص قنوات التعبير السلمى يصبح من الصعب نقل مشكلات المواطنين الى دوائر صنع القرار وقد تتراكم الازمات وهذا لا يعنى ان الانفتاح السياسي وحده يحل الازمة الاقتصادية أو أن الديمقراطية تضمن النجاح تلقائيا بل ان التنمية المستدامة تحتاج الى مؤسسات قادرة على الرقابة والتعلم والمحاسبة ومجتمع يشارك فى مناقشة مستقبله
خامسا : ما الذى نريده من منتدى مصر 2026
لن تقاس قيمة المنتدى بعدد جلساته أو شعاراته بل بقدرته على طرح الاسئلة الصعبة والاستماع الى الآراء المختلفة والخروج بتوصيات قابلة للتنفيذ والمتابعة وينبغي ان تضمن اجندته مكافحة الفساد تقييم اداء الرقابة وقياس النتائج وتعزيز الشفافية والمحاسبة وتطبيق الدستور وحماية المواطن ومناقشة الحقوق السكنية والملكية وسبل الانتصاف الفعال , الاصلاح السياسي توسيع المشاركة وصون الحريات وضمان التنافس السلمى .. التنمية الاقتصادية دراسة التجربة الصينية وغيرها واستخلاص سياسات قابلة للتطبيق فى التصنيع والتصدير والتعليم والتكنولوجيا وكفاءة الادارة . والأهم ان تطرح هذه الملفات بعيدا عن التخوين وان ينظر الى النقد باعتباره وسيلة لتصحيح المسار لا تهديدا للدولة او انتقاصا من مؤسساتها
ان بناء مصر الحديثة لا يتحقق بالتنمية وحدها ولا بالشعارات وحدها بل بتكامل التنمية والحرية والعدالة والمساءلة فى اطار دولة دستورية قوية ومؤسسات فعالة ومواطن يتمتع بحقوقه ويؤدى واجباته ويشعر بأن له مكانا وصوتا فى بناء مستقبل وطنه .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
