الجمعة , 23 أكتوبر 2026

بسيونى الحلوانى يكتب.. مصر الحكيمة.. لا تتورط في حروب






العلاقات المصرية السعودية ليست مجرد علاقات دبلوماسية تجمع دولتين عربيتين كبيرتين، وليست علاقات محكومة فقط بحسابات المصالح السياسية والاقتصادية، وإنما هي علاقة تاريخية عميقة، صنعتها تعاليم ديننا الحنيف، ورسمتها الجغرافيا، ورسختها المصالح المشتركة، ودعمتها مواقف متبادلة في أوقات الشدة والرخاء.
على امتداد عقود طويلة، ظلت القاهرة والرياض ركيزتين أساسيتين في منظومة الأمن القومي العربي، وكان التقارب بينهما عاملا مهما في مواجهة الأزمات التي عصفت بالمنطقة، بينما كان الخلاف بينهما، كلما حدث، ينعكس سلبا على مجمل العمل العربي المشترك.
لم تكن المملكة العربية السعودية بعيدة عن مصر عندما واجهت مصر ظروفا اقتصادية بالغة الصعوبة خلال السنوات الماضية؛ فقد قدمت الرياض، إلى جانب دول خليجية أخرى، أشكالا متعددة من الدعم الاقتصادي والاستثماري، وأسهمت في تخفيف بعض الضغوط التي واجهت الاقتصاد المصري، سواء عبر المساعدات والودائع والاستثمارات أو من خلال التعاون الاقتصادي وتوسيع مجالات الشراكة.
ومن هنا، فإن وقوف مصر إلى جانب السعودية في مواجهة أي تهديد يستهدف أمنها وسلامة أراضيها ليس أمرا مستغربا، ولا يحتاج إلى تبرير؛ فأمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن الخليج، وأمن الخليج يرتبط ارتباطا وثيقا بالأمن القومي المصري والعربي.


بالتأكيد.. الوفاء للأشقاء لا يعني الاندفاع إلى الحروب، والوقوف إلى جانب الحليف لا يعني التخلي عن الحسابات الدقيقة للمصلحة الوطنية.. وهنا تحديدا تتجلى الحكمة المصرية التي ينبغي أن تحكم أي موقف من التطورات العسكرية في المنطقة، ولا سيما ما يتعلق بالأزمة اليمنية وما قد تفرضه من احتمالات للتصعيد والمواجهة.
والواقع أن دعم مصر لأمن المملكة موقف طبيعي تفرضه اعتبارات التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، فضلا عن الروابط الوثيقة بين الشعبين.. ومن حق السعودية، مثل أي دولة ذات سيادة، أن تحمي أراضيها ومواطنيها ومنشآتها الحيوية من الصواريخ والطائرات المسيرة وأي اعتداءات تستهدف أمنها واستقرارها.
وفي المقابل، فإن من حق مصر أيضا أن تحدد طبيعة مشاركتها وحدودها، وفقا لما تقتضيه مصالحها الوطنية وتقديرات مؤسساتها المختصة.. فالدولة المصرية، بحكم مكانتها ومسئولياتها الإقليمية، لا تستطيع أن تتعامل مع أي تطور عسكري بمنطق رد الفعل وحده، وإنما يتعين عليها أن توازن بين واجب التضامن العربي ومخاطر الانزلاق إلى صراع مفتوح قد تطول مدته وتتسع جبهاته وتتعاظم تكلفته البشرية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين الدفاع عن الأراضي السعودية وحمايتها من الهجمات التي تستهدفها، وبين المشاركة في عمليات هجومية داخل الأراضي اليمنية.. فلكل من المسارين حساباته السياسية والعسكرية والقانونية، ولكل منهما انعكاساته المحتملة على مستقبل العلاقات العربية وعلى استقرار المنطقة بأسرها.


المبدأ الذي يحكم السياسة المصرية واضح وهو: مساندة الأشقاء في حماية أمنهم، مع تجنب الانخراط في حرب لا تخدم أهدافا سياسية محددة، ولا تملك تصورا واقعيا لنهايتها.
والسؤال المهم الذى يفرض نفسه هنا: لماذا تتجنب مصر التورط في حرب جديدة؟
الجواب واضح ومحدد وهو: مصر ليست دولة هامشية يمكنها الدخول في صراع ثم الانسحاب منه متى شاءت دون أن تتأثر مصالحها.
مصر دولة كبيرة، ذات مسئوليات إقليمية واسعة، وحدود ممتدة، واحتياجات اقتصادية واجتماعية هائلة، وتحديات أمنية تتطلب قدرا كبيرا من الحذر في استخدام القوة العسكرية خارج حدودها..والحرب- مهما كانت دوافعها- ليست قرارا عسكريا منفصلا عن بقية شؤون الدولة.. إنها قرار تتحمل تبعاته الموازنة العامة، والاقتصاد، وحركة التجارة، والاستثمار، والسياحة، وأمن المواطنين، وقدرة القوات المسلحة على الاستعداد لأي تهديدات أخرى.
مصر، التي واجه اقتصادها خلال السنوات الماضية ضغوطا كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة والتمويل، وتقلبات الأسواق العالمية، وتداعيات الأزمات الإقليمية، ليست في حاجة إلى تحمل أعباء حرب طويلة لا تتضح نهايتها أو أهدافها النهائية.. فكلما اتسع نطاق الصراع، ازدادت احتمالات ارتفاع الإنفاق العسكري، وتراجعت فرص جذب الاستثمارات، وتعرضت طرق التجارة والملاحة لمخاطر إضافية، وهو ما قد يفرض أعباء جديدة على المواطنين.
كل هذا لا يعني أن الحسابات الاقتصادية يجب أن تتقدم على كل اعتبار آخر، أو أن التضامن العربي ينبغي أن يخضع لمعادلة مالية بحتة؛ فهناك لحظات تفرض فيها الضرورات الأمنية اتخاذ قرارات مكلفة.. لكن الحكمة تقتضي أن يكون أي قرار عسكري ضروريا ومتناسبا ومحددا بأهداف واضحة، وأن تتوافر له رؤية سياسية تضمن ألا تتحول المهمة المحدودة إلى حرب مفتوحة.
هذا هو الفارق بين الدولة التي تتحرك وفق استراتيجية مدروسة، والدولة التي تدفعها الأحداث إلى مسارات لم تخطط لها.


لقد أثبتت التجربة التاريخية أن اليمن ليس ساحة عسكرية سهلة، وأن التدخلات الخارجية في أزماته كثيرا ما اصطدمت بتعقيدات الجغرافيا والتركيبة الاجتماعية والسياسية وتشابك المصالح الإقليمية.. فاليمن بلد عربي شقيق، وشعبه لا ينبغي النظر إليه باعتباره طرفا معاديا بكامله بسبب مواقف جماعات مسلحة أو قرارات أطراف سياسية.
ومن المهم التمييز بين حماية المدنيين والمنشآت الحيوية في السعودية من الهجمات، وبين توسيع نطاق العمليات العسكرية على نحو قد يزيد معاناة المدنيين اليمنيين ويعمق الانقسام الداخلي ويطيل أمد الصراع.
كما أن أمن السعودية لن يتحقق بالضرورة من خلال القوة العسكرية وحدها، مهما بلغت قدراتها.. فالدفاعات الجوية القوية تستطيع الحد من أخطار الصواريخ والطائرات المسيّرة، والإجراءات الأمنية تستطيع حماية المنشآت والأراضي، لكن الوصول إلى استقرار مستدام يحتاج أيضا إلى تسوية سياسية تعالج جذور الأزمة وتحد من قدرة الجماعات المسلحة على تهديد جيران اليمن.
ومن هنا فإن مصر تستطيع أن تقدم دعما مهما لأمن السعودية من خلال التنسيق السياسي والدبلوماسي، والتعاون الدفاعي الذي تقرره مؤسسات الدولة وفقا للقانون والمصلحة الوطنية، والعمل مع الأطراف العربية والدولية لخفض التصعيد، ودعم المسارات التي تحول دون اتساع المواجهة.
وأخيرا.. يجب أن يطمئن الجميع الى أن القوات المسلحة المصرية مؤسسة وطنية قوية، تمتلك خبرات وقدرات دفاعية كبيرة، وتضطلع بمهمة أساسية تتمثل في حماية الدولة المصرية وصون سيادتها وأمنها القومي.. وهذه القوة لا تقاس فقط بقدرة القوات على خوض المعارك، وإنما أيضا بقدرة القيادة السياسية والعسكرية على تحديد متى تستخدم القوة، ومتى يكون ضبط النفس أكثر فاعلية، ومتى يصبح الحل السياسي هو الخيار الذي يحقق الأهداف بأقل تكلفة.


من الخطأ أيضا تقديم المسألة باعتبارها اختيارا بين التخلي عن السعودية وبين دخول الحرب؛ فهذه معادلة زائفة لا تعكس حقيقة الخيارات المتاحة أمام الدول.. هناك وسائل متعددة للتضامن والدعم والتعاون، ولا تتساوى جميعها في التكلفة أو المخاطر أو النتائج.
مصر تستطيع أن تكون إلى جانب السعودية، وأن تدعم حقها في حماية أراضيها، وأن تعمل على تعزيز قدراتها الدفاعية، وفي الوقت نفسه تدفع نحو وقف التصعيد وتسوية الأزمة اليمنية.. ولا تناقض بين هذه المواقف، بل إنها قد تشكل معا سياسة أكثر توازنا وفاعلية.

b_halawany@hotmail.com

شاهد أيضاً

جمال حسين يكتب.. امن الوطن والمواطن

الدول لا تسقط فجأة.. لكنها تبدأ في الانهيار عندما تُستهدف مؤسساتها، ويُختطف وعي شعبها، وتتحول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *