السبت , 24 أكتوبر 2026

د. سامح صابر يكتب​.. مدينة الموتى


​يقولون إن هناك مدينة لا تفتح أبوابها إلا لمن ماتوا، لكنني لم أفهم ذلك يوماً: هل الموت الذي يقصدونه هو انقطاع الأنفاس وتوقف القلوب، أم أن هناك موتاً آخر هادئاً لا يعرفه الأطباء ولا تراه المقابر؟
​دخلتها ذات مساء، فلم أجد فيها قبوراً ولا نعوشاً، ولا وجوهاً شاحبة كما كنت أتخيل. وجدت شوارع تضج بالناس، ومقاهي مليئة بالضحكات، وأطفالاً يركضون بضحكاتهم البريئة خلف كرتهم الصغيرة. فسألت نفسي بحيرة: أين الموتى إذن؟
​مشيت أكثر، وبدأت ألاحظ شيئاً يكسر القلب… كان الناس يتحركون، لكنهم لا يعيشون!
رجل يبتلعه الصمت كل يوم على كرسي المقهى، يمسك فنجانه بيدين ترتجفان، ويحدق في الفراغ وكأنه ينتظر غائباً رحل ولن يعود أبداً.
وامرأة تضع مساحيق التجميل لتخفي شحوب وجهها، تبتسم للجميع وجه النهار، ثم تعود إلى بيتها المغلق، تتكئ على الجدار، وتنهار بكاءً بصوت مكتوم حتى لا يسمعها أحد.
وشاب يحمل شهادته الجامعية تحت إبطه بقلب حزين، كأنه يحمل جنازة حلم سهر الليالي لأجله ثم رآه يحتضر أمام عينيه.
ورجل آخر يشارك امرأة سقفاً واحداً، يتناولان الطعام على طاولة واحدة دون أن تتقابل أعينهما، لا يجمعهما سوى شريط ذكريات قديم واعتياد الألم!
​وفي زاوية من الشارع، توقفت مذهولاً أمام موقف أدمى قلبي: طفلة صغيرة ترتدي معطفاً منتهي الصلاحية، تقف أمام واجهة متجر للألعاب، تمد أصابعها الصغيرة لتلمس زجاج نافذة مغلقة، وتتحدث إلى دمية جميلة بعينين زرقاوين كأنها تنادي أماً غائبة، ثم التفتت لتجد أمها الحقيقية تقف خلفها صامتة، ميتة الملامح، لا تملك من الدنيا إلا دموعاً جافة وعجزاً يكسر الظهر.
​هربت بعيني هرباً من هذا الألم، واقتربت من شيخ مسن كان يجلس وحده على مقعد حجري، يمسك بسبحته، وسألته بصوت مكسور وخائف:
“أين هم موتى هذه المدينة؟”
​نظر إلي بعينين دافقتين بالحنان والحزن، وابتسم ابتسامة ملؤها الخيبة، وقال بلطف:
“إنهم حولك في كل مكان يا بني… يتنفسون، لكنهم لا يحسون.”
​تطلعت إلى وجوه الناس، فداهمني فجأة شريط ذكريات قديم دافئ… تذكرت كيف كانت طفولتي تمتلئ بالضحكات، وكيف كان بيت أهلي يعج برائحة الخبز الطازج وحنان الأمهات، تذكرت تلك الليلة التي وعدت فيها نفسي بأنني لن أنكسر، وتلك الأيام التي كان قلبي ينبض بالحياة، قبل أن تسرق الأيام منا كل شيء جميل.
​أفقت من ذكرياتي على صوت الشيخ وهو يمسح على كتفي بأسى، ليقول:
“هؤلاء أحياء بأجسادهم فقط… بعض الناس يموتون حين تكسر الحياة أحلامهم البسيطة، وبعضهم يموتون حين ينطفئ الحبّ في قلوبهم ويخذلهم من وثقوا بهم، وآخرون يموتون حين يستسلمون للوجع حتى ينسوا طعم الفرح.”
​سكت… ولأول مرة شعرت بغصة في حلقي؛ لم أكن أفتش عن الموتى، بل كنت أبحث عن ذلك الطفل القديم الذي مات في داخلي منذ زمن طويل ولم يبكه أحد.
​تابعت السير، وكلما مررت بأحدهم، رأيت فيه قطعة حزينة وشبيهة بي. وبدأت أنسى… نسيت كيف جئت إلى هنا، ونسيت الطريق الذي يعيدني إلى نفسي.
​وفي إحدى الليالي المظلمة، وقفت أمام مرآة قديمة في زاوية مهجورة، وسألت وجهي المجهد:
“هل أنا ميت أيضاً؟”
​لم يجبني وجهي، بل نظر إلي بعينين ملأهما الرجاء والتعب، ثم ابتسم ابتسامة باهتة… حينها فهمت أنني لم أكن أنظر إلى انعكاسي، بل كنت أنظر إلى إنسان تعب من المحاولة، شبه روح عاشت أكثر مما ينبغي، وماتت قهرًا قبل وقتها.
​ولكن… وحين أوشكت على الإشاحة بوجهي والاستسلام للظلام، لمحت في أعماق عيني ذلك الغريب شرارة ضئيلة جداً تكافح لتبقى متوهجة… نمت في صدري نبضة حافية لكنها دافئة، وكأن قلبي المجهد يهمس لي بصوت خافت:
“ما دمت تبكي وتتألم، فأنت لم تمت بالكامل بعد… ما زال هناك اتساع لتسترد روحك، وتعيش من جديد”.

شاهد أيضاً

نبيلة متوج تكتب.. تراتيل مهجة مغتربة

تراتيل مهجة مغتربة.أَوْرَقَ الغُصْنُبَعْدَ طُولِ جَفَافِهِوَهَبَّتْ نَسَائِمُ الذِّكْرَيَاتِتَرْوِي ظَمَأَ السِّنِينِلَعَلَّ تَوْأَمَ الرُّوحِ يَلْمَحُطَيْفَ حَبِيبِهِفَيَعْلَمَ أَنَّهُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *