السبت , 24 أكتوبر 2026

فاتن صبحي تكتب.. حين تقاوم الإرادة ويصمت العالم: قراءة في نثرية “يس” للأديب الدكتور كمال يونس

ليست كل النصوص التي ترثي الشهداء تكتفي بالبكاء عليهم فبعضها يستحضرهم ليحاكم الحاضر ويجعل من الكتابة موقفًا في مواجهة الظلم والخذلان. وهذا ما يفعله الدكتور كمال يونس في نثريته “يس” الذي يتخذ من الشيخ أحمد ياسين رمز للمقاومة الفلسطينية وينطلق من سيرته ودلالته النضالية إلى مأساة شعب يسلب حقه في الحرية بينما تتكشف أمام العالم فداحة ما يتعرض له. إنه نص تتقاطع فيه مقاومة الاحتلال مع التمسك بالإرادة و الإيمان مع الألم لتنبثق من تضحية الشهداء مساءلة للواقع وللمواقف التي لا تتناسب دائمًا مع حجم المأساة.

يبدأ من مشهد تختلط فيه مشاعر الفرح والحزن فيقول: “أيتها النفس المطمئنة.. الفرحة.. الفرحة بالشهادة.. الحزينة الحزينة.. على واقعنا الأليم” . لتكشف هذه المفارقة عن نفس تؤمن بقيمة الشهادة لكنها لا تتصالح مع واقع يستهلك أبناءه ويعجز عن صون حقوقهم. فالإيمان هنا لا يلغي الالم بل يمنحه القدرة على مواجهة المأساة دون الاستسلام لها.
ومن هذا الألم ينطلق الكاتب إلى نقد الخطاب السياسي الذي يفقد معناه حين ينفصل عن الفعل فيتوالى احتجاجه: “ثرثرة لغو.. قرع للطبل الأجوف.. هراء.. كل ما حولنا هراء” ثم تتجسد أزمة الحقيقة في “يلوى المفهوم.. يكسر عنق الكلمة.. يغتالها.. ويبعثر رفات الحروف”. إنها استعارات تمنح اللغة جسد ينتهك فالكلمة تكسر وتغتال والحروف تتحول إلى رفات في إشارة إلى خطاب يفرغ المعاني من مضمونها ويستبدل بالفعل بيانات التنديد والشجب والاستنكار. وهكذا يتجاوز النص إدانة ازدواجية المعايير إلى كشف الهوة بين ما يقال وما يحدث على أرض الواقع.
وفي قلب هذا المشهد يبرز صمود المقاومة في مواجهة الاحتلال بأجساد أبنائها وإرادتهم بينما يظل السؤال قائمًا عن مدى قدرة المواقف الدولية على الحد من المأساة. وهنا تتشكل إحدى أبرز مفارقات النص: مقاومون لا يملكون من الإمكانات ما يوازي ما يواجهونه لكنهم يتمسكون بإرادتهم في مقابل عالم يمتلك أدوات التأثير وتظل استجابته موضع مساءلة. ومن هذه المفارقة يستمد النص غضبه ويتحول رثاء الشهداء إلى احتجاج على اتساع المسافة بين المواقف المعلنة وما تتطلبه حماية الإنسان وحقوقه.
ويمثل تكرار اسم “يس” في مستهل المقاطع خيط يربط أجزاء النص ويعيدها إلى رمزها المحوري الشيخ أحمد ياسين أحد أبرز رموز المقاومة الفلسطينية. وبهذا الحضور الرمزي تتجمع حوله معاني الثبات والكرامة ورفض الخضوع. وحين نقرأ “يس.. عيني أنت إنسانها.. حبة القلب.. المهجة.. الروح.. النور في القفار الظلماء”. يتدرج التعبير من مفردات المحبة إلى صورة النور في القفار فيتجاوز الشيخ حدود حضوره الشخصي ليصبح رمزًا لإرادة لم تستطع المحنة أن تنتزع منها إيمانها بالحرية.
لكن دلالة النص لا تقتصر على الشيخ ياسين بل تتسع لتشمل رفاق المقاومة والشهداء وأهل فلسطين الذين يعانون من ويلات الاحتلال وما يخلفه من قتل وتشريد وفقدان للأمان والحرية. ويتجلى هذا الانتقال في “يس.. أرض الزيتون المقتلع.. وغصنه المحترق” فالزيتون رمز للتجذر والهوية والبقاء واقتلاعه يوحي بمحاولة انتزاع الإنسان من أرضه وذاكرته. ثم تأتي الحمامة الذبيحة التي تحتضن الشهداء لتقيم مفارقة صارخة بين رمز السلام وواقع القتل ثم تتوالى تبرة الحزن في ” نحيبها.. نشيجها.. عويلها.. صراخها والبكاء”. وهكذا يتحول الحزن من تجربة فردية إلى مأساة جماعية ويصبح صوت الأرض امتداد لأصوات أبنائها.

ويبرز التناص الديني في ” بيد أطفالك حجارة من سجيل” حيث تستحضر الطفل الفلسطيني الذي جعل من الحجر وسيلة لمقاومة الاحتلال فيما تستدعي كلمة سجيل قصة أصحاب الفيل في الذاكرة القرآنية فتمنح المشهد بعد رمزي يستحضر القوة الإلهية في مواجهة ما يبدو أقوى. كما يستدعي الكاتب قصة سيدنا يوسف عليه السلام في “الأمة تشتم ريحك.. قميصك أين؟.. فترتد بصيرة” رابطًا بين الرمز القرآني واستعادة البصيرة في إشارة إلى أمل يقظة الوعي من غفلته. وهكذا تتداخل الذاكرة الدينية مع المأساة الفلسطينية فتمنح المقاومة أفق من الإيمان والرجاء.

ومن أبرز مفارقات النص “أقعيد أنت؟!.. من مقعدك الصدق تبث الثورة!.. أقعيد أنت؟!.. لا.. لا بل نحن القاعدون.. المتخاذلون”. ينقلب السؤال من الاستفسار عن عجز الجسد إلى مساءلة عجز الإرادة فالشيخ يس على الرغم من إعاقته يبث الثورة بينما التقاعس الحقيقي يسكن نفوس القادرين الذين تراجعوا عن أداء واجبهم. و الاستفهام المتكرر ثم الإجابة يمثل طاقة درامية تكشف الفارق بين محدودية الحركة والتخاذل وبين الجسد الذي يعاني والإرادة التي ترفض الانكسار.
وتتعمق المفارقة في استحضار بلال وهو يؤذن “الصلاة خير من النوم” قبل “ولكن وا حسرتاه.. يعلو ويعلو.. ويعلو في دنيانا غطيط”. فالأذان نداء لليقظة والغطيط علامة على الاستغراق في النوم وبينهما تتجسد صورة عالم يسمع نداء الحق بينما تظل الاستجابة دون مستوى النداء. ولا يعود الصمت مجرد غياب للصوت بل يصبح صورة للغفلة في مقابل مقاومة تواصل إعلان وجودها وتمسكها بحقها.

تتضافر في النص أساليب النداء والاستفهام والتكرار وتمنحه الجمل القصيرة المتلاحقة إيقاع متوتر يناسب طبيعة الاحتجاج. ويبقي تكرار “يس” في مستهل كل مقطع متصلة بمركزها الرمزي مع اتساع دائرة المعنى من الشيخ ياسين إلى الشهداء والشعب الفلسطيني. كما تتقابل صور النور والظلام والنهوض والتخاذل والأذان والغطيط والحرية والذل لتتولد الدلالة من التناقض بين ما ينبغي أن يكون وما يفرضه الواقع. وتتحول الاستعارات مثل “يكسر عنق الكلمة”و”رفات الحروف” إلى أدوات لكشف العنف الواقع على المعنى فيما تمنح صورة الزيتون المقتلع المأساة بعد يتصل بالأرض والهوية. وقد ترتفع النبرة الإنفعالية في بعض المواضع لكنها تنسجم مع طبيعة النص الذي يسعى إلى تعميق الإحساس بالمأساة وإبراز التناقض بين صمود المقاومة وموقف العالم ولا يكتفي بوصفها
.
وتنتهي هذه الحركة التعبيرية والفنية إلى النداء “قاوم.. قاوم.. قاوم” فتتكثف في الفعل الواحد مشاعر الألم والغضب والرجاء. فالنص لا يكتفي بتخليد الشيخ أحمد ياسين أو رثاء الشهداء بل يجعل من الرمز مدخل إلى قضية شعب يتمسك بأرضه وحريته ويضع صمود المقاومة في مواجهة عالم تتباين فيه المواقف والاستجابات. وبين إرادة لا تنكسر ومأساة تتواصل يظل النص شاهد على معاناة الشعب الفلسطيني ويطرح تساؤل عن الفجوة بين ما يعلنه العالم من قيم الحرية والكرامة وما يتخذه من مواقف تجاه شعب لا يزال يعاني ويلات الاحتلال.

شاهد أيضاً

المخرج المسرحي محمد السباعي يكتب .. عن وهم “الوقفة التقليدية”وحركة الممثل على الخشبة

متى نتحرر من قواعد عفا عليها الزمن؟​من أكثر الأمور التي تستدعي التوقف والتفكير في بعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *