السبت , 24 أكتوبر 2026

د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب.. صَرْخَةُ جُنَيْهٍ بَيْنَ سِيَاسَاتِ التَّعْوِيمِ وَأَنِينِ الشَّارِعِ


لَا حَدِيثَ لِلنَّاسِ فِي بِلَادِي هَذِهِ الْأَيَّامَ إِلَّا عَنْ طُوفَانِ ارْتِفَاعِ الدُّولَارِ وَكَسْرِهِ حَاجِزَ خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ جُنَيْهًا فِي الْبُنُوكِ الْمِصْرِيَّةِ، فِي ظِلِّ خُرُوجِ قُرَابَةِ مِلْيَارٍ وَمِئَةِ مِلْيَوْنِ دُولَارٍ مِنَ الْأَمْوَالِ السَّاخِنَةِ فِي مِصْرَ.
وَتُشِيرُ الْقِرَاءَاتُ الِاقْتِصَادِيَّةُ إِلَى أَنَّ لُجُوءَ الْبَنْكِ الْمَرْكَزِيِّ لِتَحْرِيكِ سِعْرِ الصَّرْفِ يَأْتِي فِي إِطَارِ كَبْحِ نَزِيفِ تَدَفُّقَاتِ رُؤُوسِ الْأَمْوَالِ السَّاخِنَةِ إِلَى الْخَارِجِ، وَتَقْلِيصِ الْفَجْوَةِ التَّمْوِيلِيَّةِ، فِي مَشْهَدٍ اقْتِصَادِيٍّ مُتَرَاكِمِ التَّعْقِيدَاتِ.
وَفِي ظِلِّ الِالْتِزَامِ بِسِيَاسَةِ سِعْرِ الصَّرْفِ الْمَرِنِ الْمِعْيَارِيَّةِ الْمِفْتَاحِيَّةِ أَمَامَ صُنْدُوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيِّ، وَالَّتِي تُتِيحُ تَحَرُّكَ الْعُمْلَةِ صُعُودًا وَهُبُوطًا فِي حُدُودِ ٢.٥٪، يَبْقَى الْمَسَارُ الْمُسْتَقْبَلِيُّ لِلْجُنَيْهِ مَرْهُونًا بِقُدْرَةِ السُّلُطَاتِ النَّقْدِيَّةِ عَلَى أَقْلَمَةِ هَذِهِ التَّقَلُّبَاتِ.
وَفِي الْمُقَابِلِ، أَدَّى هَذَا التَّعْوِيمُ الْجُزْئِيُّ إِلَى شَلَلٍ مَلْحُوظٍ فِي حَرَكَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ إِذْ لَجَأَ بَعْضُ التُّجَّارِ الَّذِينَ آثَرُوا الرِّبْحَ السَّرِيعَ عَلَى ضَمِيرِ الْوَطَنِ إِلَى احْتِكَارِ السِّلَعِ وَحَبْسِهَا عَنِ التَّدَاوُلِ حَتَّى إِشْعَارٍ آخَرَ انْتِظَارًا لِتَسْعِيرٍ جَدِيدٍ كَفِيلٍ بِامْتِصَاصِ مَا بَقِيَ مِنْ سُيُولَةٍ فِي جُيُوبِ الْمُوَاطِنِينَ.
وَلَمْ يَكَدِ الْمَسَاءُ يَنْطَوِي حَتَّى قَفَزَتْ أَسْعَارُ بَعْضِ الْقِطَاعَاتِ الْحَيَوِيَّةِ قَفَزَاتٍ جُنُونِيَّةً؛ كَالْأَجْهِزَةِ الْكَهْرَبَائِيَّةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ حُلْمًا بَعِيدَ الْمَنَالِ، وَالسَّيَّارَاتِ الَّتِي غَدَتْ رَفَاهِيَةً لَا تُنَالُ، دُونَ أَنْ يُفَكِّرَ هَؤُلَاءِ فِي تَقْلِيلِ هَامِشِ أَرْبَاحِهِمُ (وَهُوَ ضَخْمٌ لِغَالِبِيَّتِهِمْ)، رَافِعِينَ شِعَارَ: “وَإِحْنَا مَا لَنَا؟ أَرْبَاحُنَا لَنْ تَقِلَّ”، دُونَ إِحْسَاسٍ بِمَسْؤُولِيَّةٍ أَنَّ الْمُسْتَهْلِكَ (الْمُوَاطِنَ) يَعِيشُ ظُرُوفًا قَاسِيَةً حَيْثُ تَرَاجَعَتِ الْقُوَّةُ الشَّرَائِيَّةُ لِدَخْلِهِ الَّذِي لَنْ يَزِيدَ مَهْمَا زَادَ سِعْرُ صَرْفِ الدُّولَارِ.
وَفِي حِينِ تَأَرْجَحَتْ مَشَاعِرُ الشَّارِعِ حِيَالَ السِّلَعِ الْغِذَائِيَّةِ، أَعْلَنَتِ الْحُكُومَةُ تَثْبِيتَ أَسْعَارِ ثَلَاثِينَ سِلْعَةً حَتَّى نِهَايَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ فِي مَجْمَعَاتِهَا وَمَنَافِذِهَا؛ لَعَلَّ ذَلِكَ يُرْخِي ظِلَالًا مِنَ الْهُدُوءِ وَيُسَكِّنُ جَزَعَ قُلُوبٍ أَنْهَكَهَا الْقَلَقُ الْمُسْتَمِرُّ مِنْ غَدٍ مَجْهُولٍ.
وَبَيْنَ جَشَعِ الْمُحْتَكِرِينَ الَّذِينَ يَسْتَبِحُونَ أَقْوَاتَ الشَّعْبِ بِلَا رَحْمَةٍ وَلَا وَازِعٍ، وَبَيْنَ أُمْنِيَةٍ عَارِمَةٍ بِظُهُورِ يَدٍ حُكُومِيَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ تَضْرِبُ بِيَدٍ مِنْ قُوَّةٍ عَلَى أَيْدِي الْعَابِثِينَ بِقُوتِ الْبَشَرِ، تَبْقَى الْحَقِيقَةُ الْمُرَّةُ شَاخِصَةً لَا مَحَالَةَ؛ فَقَدْ تَرَاجَعَتِ الْقُوَّةُ الشِّرَائِيَّةُ لِدَخْلِ الْجَمِيعِ بِمِقْدَارِ النِّسْبَةِ ذَاتِهَا الَّتِي خَسِرَهَا الْجُنَيْهُ، إِطْبَاقًا لِمِيزَانِ الْعَرْضِ وَالطَّلَبِ الْمُخْتَلِّ الَّذِي لَا يَرْحَمُ ضَعِيفًا وَلَا يُحَابِي فَقِيرًا.
أَمَّا السُّؤَالُ الْأَكْثَرُ إِيلَامًا، وَالَّذِي يَعْجِزُ عَنْ إِجَابَتِهِ رَئِيسُ الْوُزَرَاءِ نَفْسُهُ: هَلِ الدُّولَارُ مُرَشَّحٌ لِلسُّلُوكِ صُعُودًا أَمْ لَا؟ فَهُمْ فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، كَمَا هِيَ حَالُ هَذَا الشَّعْبِ الصَّابِرِ الَّذِي يَتَحَمَّلُ مَا لَا تُطِيقُهُ الْجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ.
يَا رَبِّ، ابْسُطْ رَحْمَتَكَ الْوَاسِعَةَ عَلَى الْغَلَابَةِ، وَاجْعَلْ لَهُمْ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرًا، وَاكْفِهِمْ شَرَّ الْغَلَاءِ وَالْوَبَاءِ وَجَشَعَ الطَّمَّاعِينَ.

الكاتب الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ.

شاهد أيضاً

سيد الرشيدي يكتب .. الحسين والسيد البدوي بين جلال التاريخ وعشوائية الموروث

حين نمشي في رحاب القاهرة الفاطمية، وحين تتناهى إلى أسماعنا أصداء التاريخ العريق المتمثل في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *