حين نمشي في رحاب القاهرة الفاطمية، وحين تتناهى إلى أسماعنا أصداء التاريخ العريق المتمثل في ساحات الحسين والسيدة زينب، أو حين نرحل ببصرنا إلى طنطا حيث ضريح السيد البدوي، فإننا لا نتحرك مجرد حركة مكانية، بل نغوص في أعماق الذاكرة الروحية والحضارية لمصر. إنني ككاتب ومحب لهذا التراث العظيم، أعشق عبق هذه الأماكن، وأجوب أزقتها القديمة باحثاً عن نفحات الماضي الجميل، وعن عمارة تنطق بالفن والجمال والإيمان الخالص.
ولكن.. ما إن يحين موعد “المولد”، حتى ينقلب المشهد رأساً على عقب. يتحول الفضاء الذي كان يفترض أن ينبض بالسكينة والعرفان إلى مسرحٍ تضيع فيه الحدود الفاصلة بين العقل واللاوعي، وبين الدين القويم والممارسات الدخيلة التي تأباها الفطرة السليمة.
إن حديثنا هنا ليس طعناً في أصحاب الأضرحة أنفسهم؛ فلهم في قلوب الناس مكانة التاريخ والزهد، وليس في نيتنا النيل من رموز التصوف الحقيقي الذين عرفوا عبر التاريخ بالعلم والتقوى. بل إن اعتراضنا، وكل عاقل منصف، ينصب على تلك “المشاهد” المؤلمة التي نراها رأي العين: من مظاهر التخبط، والتمرغ في التراب، وحالات الهيام والغياب عن الوعي التي تصل بالبعض حد الاعتقاد الباطل بأن بشراً من الأموات يرزقون أو يفكون الكرب من دون الله.
حين نرى أناسًا يتطوحون بلا غاية، وحين يختلط الرجال بالنساء في زحام يفقد الانضباط الشرعي والأخلاقي، ويُرفع شعار “الذكر” زوراً بينما هو أقرب إلى الطقوس الوثنية أو الجنون المطبق، فإننا نقف أمام أزمة وعي كبرى. إن سلامة العقيدة وتوحيد الخالق عز وجل هما الأصل الذي لا يجوز التفريط فيه تحت أي مسمى من مسميات المحبة أو الولاية. فالأولياء أنفسهم لو أدركوا ما يُقترف عند قبورهم من منكرات وأساطير لتبرأوا منها أشد البراءة.
إن ما يحدث في المولد اليوم يطرح دلالة خطيرة؛ إنه يعكس فجوة عميقة بين “التاريخ الحقيقي” الذي نصنع منه مجدنا التراثي، وبين “الموروث الشعبي العشوائي” الذي تشوه بفعل الجهل والخرافة. هذه الخزعبلات والبدع لا تمت للإسلام بصلة، ولا تقرها عقول سوية، ولا يقبلها منطق عاقل. إنها تشوه صورة التصوف الحقيقي الذي قام على أساس الكتاب والسنة، وتُفرغ المولد من معناه الروحي النقي ليتحول إلى موسم للمنكرات.
إن حبنا لتاريخنا ومناطقنا القديمة يحتم علينا أن نكون أشد حرصاً عليها؛ فالحفاظ على جمال الحسين والسيدة والسيد البدوي في طنطا وغيرهم لا يكون فقط بترميم حجارة المآذن والأزقة، بل بتطهير العقول والوجدان من درن الأساطير والجهل. فلنعد إلى جوهر الإيمان، ولنجعل من محبة آل البيت والأولياء دافعاً للعمل والفضيلة والعقلانية، لا مبرراً للغياب عن الوعي وارتكاب ما يخالف الشرع والمنطق.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
