السبت , 24 أكتوبر 2026

د.خالد محسن يكتب: استعادة مسار البوصلة..!!

»» الوعي القيمي.. بين جغرافية “التيه”، و”ومضات” الأمل!!
»» مواجهة العصر بأدواته، وبعقل يستوعب المتغيرات، وقلب يحرس الثوابت الإنسانية
•••
يعيش الإنسان المعاصر في واحدة من أكثر المراحل التاريخية تعقيداً وتشابكاً؛ مرحلة لا تكمن أزمتها الحقيقية في ندرة المعلومات أو شحّ المعرفة، بل في “فائض التدفق” وضبابية الرؤية. لقد أضحت السيولة المعرفية والتكنولوجية المتسارعة تضغط بشدة على المنظومات الأخلاقية والثقافية، حتى غدا السؤال عن “الوعي القيمي” مسألة وجودية تؤرق العقل الفكري والمجتمعي: هل ما زال بإمكاننا استعادة مسار البوصلة الضائعة، أم أن بناء وعي قيمي أصيل في عالم اليوم قد بات حلمًا يقف على مشارف المستحيل؟.

  • أولاً: جغرافية “التيه”.. كيف ارتبكت البوصلة؟
    إن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعات المعاصرة لا يتمثل في مواجهة الجهل التقليدي، بل في مواجهة “الجهل المُهندس” وتشتت المعايير.
    لقد بات الفرد المعاصر محاصراً بخوارزميات رقمية توجّه ذائقته، وتشكل تفضيلاته، وتتدخل بشكل ناعم في صياغة مفاهيمه التأسيسية عن الصدق، والحرية، والعدالة، والمسؤولية الإنسانية.
    وفي هذا الفضاء الافتراضي المفتوح، لم تعد القيم تُستمد من الأطر الثقافية الصلبة أو المرجعيات الفكرية الرصينة، بل تحول جزء كبير منها إلى “سلع استهلاكية” خاضعة لمنطق الرواج والانتشار (Trending).
    هذا الانزياح الخطير خلق حالة من الضبابية المعرفية، جعلت الفرد يجد صعوبة بالغة في التمييز بين ما هو أصيل وراسخ، وبين ما هو وافد وسطحي، مما أدى إلى تآكل الثوابت لصالح انطباعات عابرة تُصنع وتُسوق بلحظات.
  • ثانياً: منطقة “المستحيل”.. عندما يتحول الوهم إلى واقع:
    في بعض الأحيان يبدو ان السعي نحو استعادة الوعي القيمي مسألة “مستحيلة” حين نتعامل مع الأخلاق والوعي بوصفهما قوالب جامدة أو نصوصاً فوقية يُراد فرضها قسراً ،دون مراعاة لروح العصر ومعطياته المتغيرة. إن الاكتفاء بالتحسر على الماضي، والندب على أطلال القيم القديمة، يكرس فجوة عميقة بين الخطاب الفكري وبين أجيال جديدة ولدت وعاشت في أحضان الثورة الرقمية.
    ويتجلى هذا “المستحيل” في عدة مظاهر:
    ـ طغيان المشهدية على المضمون: أصبحت الصورة السريعة والمشهد البصري المثير يحلان محل الفكرة العمومية والتحليل الهادئ، مما ضعّف قدرة العقل على التأمل، والمحاكمة المنطقية، والنقد العميق.
    ـ الاغتراب الرقمي وسيادة العزلة: حين يغرق الإنسان في تفاصيل العالم الافتراضي، يفقد ارتباطه الوجداني المباشر بالواقع وبالمعاناة الإنسانية الحقيقية، فيتآكل الحس الجمالي والأخلاقي، ويتحول إلى مستهلك سلبيا تجرفه التيارات دون إرادة صلبة.
    ـ صناعة اليقين المزيف: ويأتي كحصاد طبيعي لقدرة الوسائل الحديثة على تزييف الحقائق وإعادتها بصور برّاقة جعلت الخيال والتضليل ينافسان الحقيقة الملموسة، بل ويتفوقان عليها في كثير من الأحيان.
  • ثالثاً: منطقة “الممكن”.. هندسة الأمل وإعادة بناء العقل:
    رغم كل مظاهر الانكسار والارتباك، فإن القول باستحالة استعادة البوصلة يعد استسلاماً فكرياً ينفيه التاريخ الإنساني المتجدد؛ فالإنسان بطبعه كائن يبحث عن المعنى والغاية. إن بناء الوعي القيمي يظل مساحة “ممكنة” وغاية مقدورة، بشرط أن نعيد صياغة أدواتنا وخطابنا بما يتناسب مع تحديات المرحلة.
    ـ التحول من التلقين إلى التفكير النقدي: لم يعد الوعي يُبنى بالوصاية الفكرية أو إملاء الأوامر، بل عبر تنمية مهارات التفكير النقدي لدى النشء، لتمكينهم من تمحيص المحتوى، وتفكيك الخطابات المضللة، والتمييز بين الغث والسمين في هذا التدفق المعلوماتي الهائل.
    ـ إحياء الدور الريادي للكلمة والفكر الرصين: يُشكّل الطرح الفكري المتزن والإعلام المسعى خط الدفاع الأول لحماية الهوية والضمير الجمعي.
    ولاشك أن إنتاج محتوى عميق وجذاب يزاحم السطحية هو الطريق الوحيد لرد الاعتبار للقيم الإنسانية.
    ـ أنسنة التقنية بدلاً من تقنين الإنسان: ويجب إدراك أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أدوات خادمة للوجود الإنساني، وليست سيداً يصنع للقيم معاييرها.
    إن ضبط العلاقة مع التقنية يقتضي وضع الأخلاق في قلب الابتكار التكنولوجي لا على هامشه.
    ـ تفعيل دور المؤسسات التربوية والثقافية: إعادة الروح للمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية لتكون حاضنات حقيقية لبناء الإنسان، عبر تقديم نماذج قدوة ملهمة تجمع بين أصالة المبادئ ومعاصرة الأداة.
  • إشراقة تأملية:
    “إن استعادة مسار البوصلة لا تعني الهروب من الحاضر واللجوء إلى ظلال الماضي، بل تعني امتلاك الشجاعة لمواجهة العصر بأدواته، بعقل يستوعب المتغيرات، وقلب يحرس الثوابت الإنسانية بكل إصرار.”
  • الخلاصة: وبين الممكن والمستحيل تترسخ الإرادة، فالحسم في إمكانية استعادة مسار البوصلة من عدمها لا يتوقف على الظروف الخارجية فحسب، بل يتوقف في المقام الأول على إرادة الفعل والمبادرة. فالوعي القيمي ليس حالة سكونية نصل إليها ونستريح، بل هو مسار حضاري متجدد وسعي دؤوب لإبقاء البوصلة مشيرة دائماً نحو الحق، والخير، والجمال، والإنسانية الخالصة.
    إن الوعي ليس خياراً ممتعاً نملكه أو نتركه، بل هو شريان الحياة الأخير الذي يحمي المجتمعات من الانجراف نحو “التيه” المظلم والعدمية “المهلكة”،
  • وهو المسار المضيء في طريق الأشواك ” المظلم”.

شاهد أيضاً

بسيونى الحلوانى يكتب.. مصر الحكيمة.. لا تتورط في حروب

العلاقات المصرية السعودية ليست مجرد علاقات دبلوماسية تجمع دولتين عربيتين كبيرتين، وليست علاقات محكومة فقط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *