فِي تَطَوُّرٍ مَيْدَانِيٍّ سَرِيعٍ يُعِيدُ كِتَابَةَ خَارِطَةِ التَّسْلِيحِ فِي الْقَارَّةِ الإِفْرِيقِيَّةِ وَمَنْطِقَةِ الْقَرْنِ الإِفْرِيقِيِّ، أَعْلَنَ رَئِيسُ الْوُزَرَاءِ الإِثْيُوبِيُّ “أَبِي أَحْمَدَ” –رَسْمِيّاً وَفِي مَرَاسِمَ بَاذِخَةٍ مِنَ الْعَاصِمَةِ الرُّوسِيَّةِ مُوسْكُو– عَنِ اسْتِلامِ بِلَادِهِ دَفْعَةً أُولَى تَضُمُّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مُقَاتِلَةً رُوسِيَّةً مُتَطَوِّرَةً مِنْ طِرَازِ “سُوخُوي 35″؛ وَالَّتِي تُعَدُّ مِنْ أَقْوَى طَائِرَاتِ السِّيَادَةِ الْجَوِّيَّةِ لِلْجِيلِ الرَّابِعِ الْمُعَزَّزِ فِي الْعَالَمِ، فَضْلاً عَنِ الِاسْتِعْدَادِ التَّامِّ لِتَسَلُّمِ أَرْبَعِ بَطَّارِيَّاتٍ مِنْ أُعْجُوبَةِ الدِّفَاعِ الْجَوِّيِّ الْعَالَمِيِّ: مَنْظُومَةِ الصَّوَارِيخِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ “إِس 400”.
وَلَمْ يَكُنِ الْخَبَرُ مُجَرَّدَ رَقْمٍ فِي سِجِلَّاتِ الصَّفَقَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ، بَلْ جَاءَ لِيَكْشِفَ عَنْ إِيقَاعٍ مُسَارِعٍ وَمَلِيءٍ بِالتَّسَاؤُلَاتِ؛ إِذْ شَكَرَ “أَبِي أَحْمَدَ” الرَّئِيسَ الرُّوسِيَّ “فْلَادِيمِيرَ بُوتِينَ” بِالِاسْمِ، لِتَسْرِيعِ مُدَّةِ التَّسْلِيمِ قَبْلَ مَوْعِدِهَا الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بِسَنَةٍ كَامِلَةٍ، مَعَ التَّكَفُّلِ الرُّوسِيِّ بِالتَّدْرِيبِ الشَّامِلِ لِلطَّيَّارِينَ وَالْفَنِّيِّينَ الإِثْيُوبِيِّينَ عَلَى الْأَرَاضِي الرُّوسِيَّةِ.
وَفِي الْوَاقِعِ؛ هَذَا التَّطَوُّرُ الْخَطِيرُ يَضَعُنَا أَمَامَ تَسَاؤُلَاتٍ مَصِيرِيَّةٍ بَالِغَةِ الْأَهَمِّيَّةِ حَوْلَ خَفَايَا التَّمْوِيلِ الْبَاهِظِ، وَالْأَبْعَادِ الْجِيُوسِياسِيَّةِ الْعَمِيقَةِ، وَالتَّدَاعِيَاتِ الْمُبَاشِرَةِ عَلَى الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ الْمِصْرِيِّ وَمِيَاهِ نَهْرِ النِّيلِ.
وَإِذَا أَمْعَنَّا النَّظَرَ فِي الْوَاقِعِ الِاقْتِصَادِيِّ لِإِثْيُوبْيَا، فَسَنَجِدُهَا تُعَانِي مُنْذُ سِنِينَ طِوَالٍ مِنْ أَزْمَاتٍ مَالِيَّةٍ خَانِقَةٍ، وَدُيُونٍ خَارِجِيَّةٍ مُتَرَاكِمَةٍ، وَعَجْزٍ حَادٍّ فِي الْمُوَازَنَةِ، فَضْلاً عَنْ نُزُوفٍ دَاخِلِيٍّ وَصِرَاعَاتٍ عِرْقِيَّةٍ طَاحِنَةٍ تَلْتَهِمُ خَيْرَاتِ الْبِلَادِ.
فَمِنْ أَيْنَ إِذَنْ جَاءَتِ الْأَمْوَالُ الطَّائِلَةُ لِتَمْوِيلِ صَفْقَةٍ تَبْلُغُ مِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، مَعَ دَفْعِ ثَمَنِ تَسْرِيعِ الِاسْتِلَامِ؟!
يُشِيرُ الْخُبَرَاءُ وَالْمُتَتَابِعُونَ لِلْمَشْهَدِ الدَّوْلِيِّ بِأَصَابِعِ الِاتِّهَامِ نَحْوَ قُوىً إِقْلِيمِيَّةٍ وَدَوْلِيَّةٍ تُحَاوِلُ إِعَادَةَ تَشْكِيلِ التَّوَازُنَاتِ الْجِيُوسِياسِيَّةِ فِي مَنْطِقَةِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ، نِكَايَةً فِي الدَّوْرِ الْمِصْرِيِّ أَوْ تَقْوِيضاً لِمَكَانَتِهَا الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ.
وَمِمَّا يَزِيدُ الْمَشْهَدَ ضَبَابِيَّةً وَرِيبَةً؛ هُوَ الصَّمْتُ الْأَمْرِيكِيُّ وَالْغَرْبِيُّ الْمُطْبِقُ إِزَاءَ هَذِهِ الصَّفْقَةِ الرُّوسِيَّةِ الْكُبْرَى، فِي تَنَاقُضٍ صَارِخٍ مَعَ مَوَاقِفِ وَاشْنِطْنَ السَّابِقَةِ حِينَ هَدَّدَتْ مِصْرَ بِعُقُوبَاتِ قَانُونِ “كَاتْسَا” عَامَيْ 2019 وَ2020، لِمُجَرَّدِ تَفْكِيرِهَا فِي التَّوَجُّهِ نَحْوَ التَّسْلِيحِ الرُّوسِيِّ.
هَذَا الْكَيْلُ بِمِكْيَالَيْنِ يَفْضَحُ وُجُودَ مُخَطَّطٍ مَدْرُوسٍ يَهْدُفُ إِلَى خَلْقِ وَاقِعٍ عَسْكَرِيٍّ جَدِيدٍ فِي الْقَرْنِ الإِفْرِيقِيِّ يُحَاصِرُ الدَّوْلَةَ الْمِصْرِيَّةَ وَيَضْغَطُ عَلَى حُقُوقِهَا الْمَائِيَّةِ وَالِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ.
فَهَلْ تَقْلِبُ الصَّفْقَةُ الْمَوَازِينَ الْعَسْكَرِيَّةَ عَلَى الْأَرْضِ؟
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ضَخَامَةِ وَحَجْمِ الْأَسْلِحَةِ النَّوْعِيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ عَلَيْهَا إِثْيُوبْيَا، يُؤَكِّدُ الْخُبَرَاءُ الْعَسْكَرِيُّونَ أَنَّ الْقُوَّةَ الْجَوِّيَّةَ الْمِصْرِيَّةَ تَظَلُّ قُوَّةً ضَارِبَةً وَفِي مَكَانَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَالَمِيّاً، بِفَضْلِ أُسْطُولِهَا الْمُتَنَوِّعِ وَالرَّهِيبِ الَّذِي يَضُمُّ أَحْدَثَ أَجيَالِ مُقَاتِلَاتِ طَائِرَاتِ “الرَّافَالِ”، وَ”الـ F-16″، وَ”الْمِيجِ 29″، إِلَى جَانِبِ أَنْظِمَةِ حَرْبٍ إِلِكْتُرُونِيَّةٍ وَمُضَادَّاتٍ قَادِرَةٍ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَ أَعْقَدِ الشِّبَاكِ الدِّفَاعِيَّةِ، فَضْلاً عَنِ الْفَارِقِ الْهَائِلِ فِي الْكَفَاءَةِ وَالْقِتَالِ الِاحْتِرَافِيِّ لِلطَّيَّارِ وَالْمُقَاتِلِ الْمِصْرِيِّ.
غَيْرَ أَنَّ الْخُطُورَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِهَذِهِ الصَّفْقَةِ تَتَجَسَّدُ بِوُضُوحٍ فِي اتِّجَاهَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ:
- التَّحَصُّنُ الِاسْتِرَاتِيجِيُّ لِإِثْيُوبْيَا: سَعْيُ أَدِيسَ أَبَابَا لِتَصْعِيبِ أَيِّ هَجَمَاتٍ جَوِّيَّةٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ فَوْقَ الْمُنْشَآتِ الْحَيَوِيَّةِ وَالسُّدُودِ الْمَائِيَّةِ بِاسْتِخْدَامِ مَنْظُومَةِ “إِس 400″، فَرْضاً لِسِيَاسَةِ الْأَمْرِ الْوَاقِعِ وَمُحَاوَلَةً لِخَلْقِ مِظَلَّةِ رَدْعٍ إِقْلِيمِيَّةٍ.
- الْعَدْوَانِيَّةُ الْمُتَوَقَّعَةُ تُجَاهَ الْجِيرَانِ: اسْتِخْدَامُ مُقَاتِلَاتِ “السُّوخُوي 35” بِمَدَاهَا الْبَعِيدِ وَقُدُرَاتِهَا الْهَجُومِيَّةِ لِلتَّأْثِيرِ الْمُبَاشِرِ عَلَى دُوَلِ الْجِوَارِ فِي الْقَرْنِ الإِفْرِيقِيِّ (الصُّومَالِ، إِرِيتْرِيَا، السُّودَانِ، وَجِيبُوتِي)، خُصُوصاً فِي ظِلِّ رَغْبَةِ “أَبِي أَحْمَدَ” الْمُسْتَمِيتَةِ فِي الْوُصُولِ بِالْقُوَّةِ إِلَى مَنْفَذٍ بَحْرِيٍّ عَلَى شَوَاطِئِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ.
وَأَمَامَ هَذَا التَّغَيُّرِ الْجِيُوسْتِرَاتِيجِيِّ الْخَطِيرِ فِي خَرَائِطِ التَّسْلِيحِ وَمِيزَانِ الْقُوَى فِي الْقَارَّةِ، بَاتَ لِزَاماً عَلَى الدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ إِعَادَةُ قِرَاءَةِ الْمَشْهَدِ بِأَعْمَاقِهِ كَافَّةً، وَاتِّخَاذُ خُطُوَاتٍ اسْتِبَاقِيَّةٍ حَاسِمَةٍ تَشْمَلُ:
- التَّوَجُّهُ بِقُوَّةٍ وَبِلَا تَرَدُّدٍ نَحْوَ الشُّرَكَاءِ الْجُدُدِ فِي الْعَالَمِ، وَتَوْسِيعُ التَّعَاوُنِ الْعَسْكَرِيِّ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ مَعَ الصِّينِ لِلْحُصُولِ عَلَى أَحْدَثِ مُقَاتِلَاتِ الْجِيلِ الرَّابِعِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْخَامِسِ (مِثْلِ طِرَازَاتِ J-10C وَ J-35)؛ نَظَراً لِتَرَاجُعِ مِصْدَاقِيَّةِ بَعْضِ الْحُلَفَاءِ الْغَرْبِيِّينَ فِي أَوْقَاتِ الْأَزْمَاتِ الْحَسَّاسَةِ وَالتَّهْدِيدَاتِ الْكُبْرَى.
- ضَمَانُ الْجَاهِزِيَّةِ الْقُصْوَى لِلْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ الْمِصْرِيَّةِ لِصَوْنِ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ وَالْمَائِيِّ (مِيَاهِ النِّيلِ) ضِدَّ أَيِّ مُغَامَرَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ طَيْشَاءَ قَدْ تَدْفَعُ إِلَيْهَا الْقُوَى الْإِقْلِيمِيَّةُ الْمُعَادِيَةُ.
إِنَّنَا نَعِيشُ الْيَوْمَ لَحْظَةً تَارِيخِيَّةً بَالِغَةَ الْحَسَاسِيَّةِ، تَسْتَوْجِبُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْيَقَظَةِ وَالْوَعْيِ السِّيَاسِيِّ، وَتَرْتِيبَ الْأَوْرَاقِ بِحِكْمَةٍ وَحَزْمٍ لِحِمَايَةِ تُرَابِ الْوَطَنِ وَصَوْنِ مُقَدَّرَاتِهِ الْعُلْيَا.
الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
