الأحد , 1 نوفمبر 2026

هدى حجاجي أحمد تكتب.. دفتر المحققة الأخيرة


متتالية قصصية في سبعة فصول عن جريمة لا تشبه ظاهرها

الفصل الأول: جريمة على الشاشة
لم أكن أعلم أن متابعة مسلسل بوليسي في ليلة شتوية هادئة ستقودني إلى حكاية تتجاوز حدود الشاشة، وتدخل بي إلى دهاليز جريمة حقيقية لم تكن قد وقعت بعد، أو هكذا ظننت في البداية. كنت مستغرقة في متابعة حلقات مسلسل يتناول جريمة قتل شائكة، عبثت بأعصابي واستولت على تفكيري، حتى أصبحت أترقب كل حركة، وأشك في كل ابتسامة، وأعيد المشاهد أكثر من مرة بحثًا عن تفصيل صغير ربما مرّ دون انتباه. ولم يكن غريبًا أن تجدني أحمل مفكرتي في كل مكان أقصده؛ أدوّن أسماء الشخصيات، وأرسم خطوطًا تصل بين الأحداث، وأضع علامات استفهام أمام كل تصرف مريب. كان زوجي يضحك كلما رآني أكتب، ويقول ساخرًا: «أنتِ تشاهدين مسلسلًا أم تحققين في جريمة قتل؟» فأجيبه بجدية: «المجرم لا يظهر دائمًا في المشهد الأول، وأحيانًا يكون أقرب الناس إلى الضحية». كنت قد استبعدت الزوجة، والأخ، والصديق، وحتى الخادمة التي بدت مرتبكة طوال الحلقات، واستقر رأيي على أن القاتل هو ذلك الرجل الهادئ الذي يظهر في خلفية المشاهد، ولا يتحدث إلا قليلًا. كان الجميع يرونه بريئًا، بينما كنت أراه أكثرهم إثارة للريبة. وفي الحلقة الأخيرة، وقبل إعلان اسم القاتل، انقطعت الكهرباء فجأة. صرخت غاضبة، ثم أضاء هاتفي برسالة من رقم مجهول: «أحسنتِ يا سيدتي المحققة… لكن هل تستطيعين اكتشاف القاتل في جريمة لم تُعرض بعد؟» تجمدت أصابعي فوق الشاشة. قرأت الرسالة مرة، ثم ثانية، ثم نظرت حولي. لم يكن في البيت أحد غيري وزوجي وأبنائي. كتبت: «من أنت؟» فجاء الرد سريعًا: «شخص يعرف أنك لا تثقين في الأبرياء». أغلقت الهاتف، لكن الرسالة ظلت مفتوحة في رأسي. لم تكن تلك بداية مسلسل جديد، بل بداية شيء لم أكن مستعدة له.
الفصل الثاني: الرجل الذي لا يثير الشبهات
في صباح اليوم التالي، وجدت ظرفًا أبيض أسفل باب الشقة. لم يكن عليه اسم أو عنوان، فقط كلمة واحدة مكتوبة بخط واضح: «المفكرة». فتحت الظرف بحذر، فوجدت صورة لرجل في الخمسين من عمره، يجلس على مقعد خشبي أمام مقهى قديم، وإلى جواره حقيبة جلدية سوداء. خلف الصورة ورقة صغيرة تحمل عبارة: «إذا اختفى هذا الرجل، فلا تبحثي عن عدوّه». لم أفهم شيئًا في البداية، لكنني لاحظت أن الصورة التُقطت من زاوية بعيدة، وأن الرجل ينظر مباشرة إلى الكاميرا، وكأنه كان يعرف أن أحدهم يراقبه. قلبت الصورة، فوجدت اسمًا مكتوبًا بالقلم: «محمود سالم». بحثت في ذاكرتي، فلم أتذكر أنني سمعت بهذا الاسم من قبل. اتصلت بصديقتي سلوى، التي تعمل في أحد المكاتب القانونية، وطلبت منها أن تساعدني في معرفة صاحب الصورة. ضحكت في البداية، ثم تغير صوتها عندما أرسلت إليها الصورة. قالت: «هذا محمود سالم، موظف سابق في شركة استيراد كبيرة. اختفى منذ أسبوعين، وأسرته أبلغت عن غيابه». سألتها: «هل هناك شبهة جنائية؟» صمتت قليلًا ثم قالت: «لا توجد معلومات مؤكدة، لكن هناك كلامًا عن ملف اختفى من الشركة قبل اختفائه». أغلقت الهاتف وفتحت مفكرتي. كتبت اسم محمود، ثم رسمت حوله دائرة كبيرة. لم أكن أعرف لماذا اختارني شخص مجهول لأكون جزءًا من هذه الحكاية، ولا كيف عرف أنني أدوّن ملاحظاتي عن الجرائم الدرامية. لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا: الرجل الذي بدا بريئًا في الصورة قد يكون مفتاح الحكاية كلها.

شاهد أيضاً

حكيمة بنقاسم تكتب.. قوافل العطش

كلما فتحت أبواب العصورأراك تتكرر في الصور العاطفيةأسكب على وجهك الحريري الأبيضرعشة اصابعي..نجلس حول المدفأة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *