الأحد , 1 نوفمبر 2026

العمالة الأجنبية في الخليج والعالم العربي.. بين ضرورة التنمية وتحديات الاقتصاد والمجتمع

إعداد الدكتور سامي المسلم

تُعدّ العمالة الأجنبية واحدة من أكثر الظواهر ارتباطًا بالبنية الاقتصادية والاجتماعية لدول الخليج العربي، بل يصعب فهم التجربة التنموية الخليجية الحديثة من دون فهم الدور الذي أدته العمالة الوافدة في تشييد المدن، وبناء البنية التحتية، وتشغيل قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتقديم الخدمات المنزلية والتجارية والصحية والفنية. وفي الوقت نفسه، فإن ضخامة هذه الظاهرة جعلتها تتجاوز كونها مسألة عمالية أو اقتصادية لتصبح قضية ديموغرافية واجتماعية وثقافية وأمنية واستراتيجية.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن الدول العربية تستضيف واحدة من أكبر تجمعات العمال المهاجرين في العالم؛ ففي عام 2019 كان في المنطقة العربية أكثر من 24 مليون عامل مهاجر، وكان العمال المهاجرون يمثلون نحو 41.4% من مجموع العاملين، وهي أعلى حصة إقليمية عالميًا. كما أن دول مجلس التعاون الخليجي تستضيف الجزء الأكبر من المهاجرين في المنطقة العربية. المصدر:
International Labour Organization
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى العمالة الأجنبية أم لا؟ فهذا السؤال حُسم عمليًا بحكم طبيعة الاقتصادات الخليجية. السؤال الأكثر أهمية هو: ما الحجم الأمثل لهذه العمالة؟ وما نوعها؟ وأين تعمل؟ وما المهارات التي ينبغي أن تحملها؟ وكيف يمكن أن تكون أداة للتنمية من دون أن تتحول إلى اختلال دائم في سوق العمل والبنية السكانية؟
العمالة الأجنبية ليست كتلة واحدة
من الأخطاء المنهجية النظر إلى العمالة الأجنبية باعتبارها فئة متجانسة. فهي تمتد من العامل الذي يعمل في الإنشاءات والنظافة والزراعة والخدمات المنزلية، إلى المهندس والطبيب والأستاذ الجامعي والخبير المالي والتقني والباحث والمبرمج والمدير التنفيذي. وهناك عمالة مؤقتة مرتبطة بمشروع معين، وأخرى مستقرة لسنوات طويلة، وعمالة عالية المهارة، وأخرى منخفضة المهارة، وعمالة تعمل في القطاع الحكومي أو شبه الحكومي أو الخاص، وأخرى تعمل لحساب الأسر.
وهذا التباين مهم جدًا؛ لأن الحكم الاقتصادي والاجتماعي على العمالة الأجنبية يجب ألا يكون حكمًا عامًا. فوجود طبيب متخصص أو مهندس نووي أو خبير في الأمن السيبراني لا يمثل المشكلة الاقتصادية نفسها التي يمكن أن تنشأ من استقدام أعداد كبيرة من العمالة منخفضة المهارة إلى نشاط يستطيع المواطن ممارسته بعد التدريب.
بل إن التحولات الاقتصادية التي تشهدها دول الخليج نحو الاقتصادات المعرفية والرقمية ستحتاج إلى عمالة أجنبية عالية المهارة إلى جانب العمالة الوطنية، وليس من الواقعي افتراض أن الاقتصاد الحديث يستطيع الاستغناء عن الخبرات العالمية. وتشير منظمة العمل الدولية بالفعل إلى أن تحول الاقتصادات الخليجية نحو اقتصاد المعرفة سيعيد تشكيل الطلب على العمالة، مع ازدياد الطلب على المهارات العالية من المواطنين وغير المواطنين معًا.
المصدر:
International Labour Organization
لماذا أصبحت العمالة الأجنبية ضرورة خليجية؟
نشأت الظاهرة في سياق تاريخي واضح. فقد شهدت دول الخليج خلال عقود قصيرة انتقالًا استثنائيًا من اقتصاديات محدودة الحجم إلى اقتصاديات ذات مشروعات عمرانية وبنى تحتية ضخمة. ولم تكن أعداد السكان المواطنين ولا التركيبة التعليمية والمهنية آنذاك كافية لتلبية الطلب المتزايد على العمالة.
دخلت العمالة الأجنبية في بناء الطرق والمطارات والموانئ والمستشفيات والجامعات والمساكن والمصانع والمنشآت النفطية والغازية، ثم توسعت إلى المطاعم والفنادق والتجارة والنقل والخدمات المنزلية والصيانة والزراعة والرعاية الصحية والتعليم والخدمات التقنية.
وبذلك لم تكن العمالة الأجنبية مجرد مستفيد من الاقتصاد الخليجي؛ بل كانت أيضًا أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في صناعة الاقتصاد نفسه.
وهنا ينبغي تجنب النظرة الأحادية التي ترى في العامل الأجنبي عبئًا على الاقتصاد. فالعامل الذي يبني منزلًا أو مستشفى أو طريقًا أو مصنعًا، أو يعمل في قطاع لا تتوافر فيه أعداد كافية من المواطنين، يضيف قيمة اقتصادية حقيقية. كما أن أصحاب الأعمال يحتاجون إلى العمالة حتى يستطيعوا تشغيل مشروعاتهم، والمشروعات نفسها تولد استثمارات واستهلاكًا وضرائب ورسومًا ونشاطًا تجاريًا.
لذلك فإن القول إن كل راتب يحوَّل إلى الخارج يمثل خسارة صافية للدولة ليس تحليلًا اقتصاديًا دقيقًا.
تحويلات العمالة: هل هي أموال ضائعة؟
تُعد التحويلات المالية من أكثر الجوانب إثارة للجدل. فالعامل الأجنبي يحصل على دخل داخل الدولة الخليجية، ثم يحول جزءًا منه إلى أسرته في بلده الأصلي. وهكذا يحدث تسرب مالي إلى الخارج.
لكن التحويلات ليست وحدها معيار الحكم.
فالعامل قبل أن يحول راتبه يكون قد أدى عملًا أنتج سلعة أو خدمة داخل الاقتصاد المحلي. كما أن جزءًا من دخله يُنفق داخل الدولة على السكن والغذاء والمواصلات والاتصالات والملابس والخدمات وغيرها. وصاحب العمل نفسه يدفع تكاليف أخرى مرتبطة بالعامل، فضلًا عن الرسوم والتراخيص والتأمينات وغيرها بحسب النظام المعمول به.
ومن ثم فإن الأثر الحقيقي للتحويلات ينبغي قياسه مقارنةً بالقيمة الاقتصادية التي أنتجها العامل قبل تحويل دخله.
المشكلة تبدأ عندما يكون الاقتصاد شديد الاعتماد على عمالة أجنبية منخفضة الأجر في أعمال يمكن أن يقوم بها المواطن، وعندما تصبح عملية الاستقدام أكبر من الاحتياج الفعلي، أو عندما تؤدي العمالة الرخيصة إلى تأخير التحول نحو الإنتاجية والتقنية والأتمتة :
(الأتمته هي استخدام التكنولوجيا والبرامج لتنفيذ المهام والأعمال بدرويات آلية دون تدخل بشري. تهدف إلى زيادة الكفاءة، تقليل الأخطاء، وتوفير الوقت والجهد).
وهنا يتحول الأمر من مجرد تحويلات مالية إلى بنية اقتصادية تعتمد على استيراد العمل بدل الاستثمار في إنتاجية العامل المحلي.
هل تؤدي العمالة الأجنبية إلى البطالة المحلية؟
هذه من أكثر القضايا التي تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
العلاقة ليست بالضرورة علاقة طردية مباشرة من نوع: كلما زادت العمالة الأجنبية ارتفعت البطالة الوطنية.
الأمر أكثر تعقيدًا؛ لأن العمالة الأجنبية قد تشغل وظائف لا يرغب المواطنون في شغلها، أو وظائف تتطلب مهارات غير متوافرة محليًا، أو وظائف ذات أجور منخفضة لا تجذب الباحثين عن العمل. وفي هذه الحالة قد تكون العمالة الأجنبية مكمّلة للعمالة الوطنية وليست منافسة لها.
لكنها قد تصبح منافسة عندما تدخل بأعداد كبيرة إلى المهن والوظائف التي يستطيع المواطنون أداءها، خصوصًا عندما تكون تكلفة توظيف العامل الأجنبي أقل بكثير من تكلفة توظيف المواطن.
هنا تظهر المشكلة المعروفة اقتصاديًا باسم إحلال العمالة.
فإذا كان صاحب العمل يستطيع توظيف عامل منخفض التكلفة بدلًا من تدريب مواطن وتأهيله ودفع أجر أعلى له، فقد تتراجع حوافز المنشأة لتوظيف المواطن. ومن ثم يمكن أن تنشأ علاقة بين ارتفاع الاعتماد على العمالة الأجنبية وبين صعوبة دخول بعض المواطنين إلى سوق العمل.
لكن العلاقة لا يمكن اختزالها في نسبة واحدة؛ لأنها تتأثر بالتعليم، والأجور، والإنتاجية، والتشريعات، ونوع النشاط الاقتصادي، ومستوى التدريب، ونسبة مشاركة المواطنين في القطاع الخاص.
ومن المفيد هنا النظر إلى سوق العمل بوصفه منظومة عرض وطلب، لا مجرد عملية إحلال بسيطة.
المشكلة الحقيقية: فجوة الأجور والإنتاجية
من أخطر آثار الاعتماد المفرط على العمالة منخفضة الأجر أنه يمكن أن يؤدي إلى خلق نموذج اقتصادي يستند إلى العمل الرخيص بدل الإنتاجية المرتفعة.
عندما يستطيع قطاع اقتصادي لسنوات طويلة الاعتماد على عمالة منخفضة التكلفة، فقد تقل الحوافز للاستثمار في الآلات والتقنيات والذكاء الاصطناعي والتدريب وإعادة تصميم العمليات.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: قد تكون العمالة الأجنبية مفيدة في المدى القصير لأنها تخفض تكلفة الإنتاج، لكنها قد تصبح عائقًا في المدى الطويل إذا حالت دون انتقال الاقتصاد إلى مرحلة أعلى من الإنتاجية.
وهذا لا يعني أن رفع تكلفة العمالة الأجنبية هو الحل. بل يعني أن السياسة الاقتصادية يجب أن تجعل التقنية والإنتاجية أكثر جاذبية من الاعتماد غير المحدود على وفرة العمالة الرخيصة.
التأثير الإيجابي في الاقتصاد المحلي
للعمالة الأجنبية فوائد اقتصادية لا يمكن تجاهلها.
فهي توفر اليد العاملة اللازمة للمشروعات، وتزيد القدرة الإنتاجية، وتسمح بتنفيذ مشروعات كبيرة خلال مدد زمنية قصيرة، وتسد النقص في التخصصات التي لا يتوافر فيها عدد كافٍ من المواطنين، وتساعد قطاعات الخدمات على الاستمرار.
كما أن العمالة المهاجرة المرتبطة بالمشروعات الكبرى قد تكون عاملًا في تسريع التنمية بدلًا من أن تكون عبئًا عليها.
والاقتصادات الخليجية اليوم لا تزال تشهد توسعًا في القطاعات غير النفطية والاستثمار والبنية التحتية والسياحة والخدمات والتقنية، وهو ما يجعل الطلب على العمالة المتخصصة والمتنوعة مستمرًا. وقد توقع البنك الدولي نمو اقتصادات مجلس التعاون بنحو 3.2% في 2025 و4.5% في 2026، مدفوعًا بالتوسع في القطاعات غير النفطية إلى جانب العوامل النفطية.
World Bank Group المصدر
التأثير السلبي: عندما تتحول الحاجة إلى اعتماد كلي على العماله المستوردة.
المشكلة لا تكمن في وجود العامل الأجنبي، وإنما في درجة الاعتماد عليه.
فعندما يصبح قطاع كامل غير قادر على العمل إلا بالعمالة الأجنبية، تصبح الدولة أمام اعتماد هيكلي يصعب التخلص منه.
وعندما تتضخم العمالة منخفضة المهارة، فقد تظهر مجموعة من الآثار: ضغط على بعض الوظائف منخفضة ومتوسطة الأجر، ضعف الحافز لدى بعض المنشآت لتدريب المواطنين، اتساع الاقتصاد غير الرسمي في بعض الحالات، زيادة الطلب على السكن والنقل والخدمات، وتحديات تتعلق بتنظيم سوق العمل وحماية حقوق العامل.
وقد أشارت منظمة العمل الدولية إلى أن قطاعات البناء والضيافة والعمل المنزلي تضم أعدادًا كبيرة من العمال المهاجرين، وأن كثيرًا منهم منخفضو الدخل والمهارة، مع استمرار تحديات العمل اللائق والحماية الاجتماعية. المصدر:
International Labour Organization
البعد الديموغرافي: حين يصبح الاقتصاد متأثر بمسألة الاسكان لتلك العمالة
ربما يكون هذا الجانب أهم من قضية التحويلات نفسها.
فبعض دول الخليج شهدت خلال العقود الماضية تغيرًا عميقًا في التركيبة السكانية نتيجة ضخامة العمالة الوافدة مقارنة بعدد المواطنين.
وهنا تظهر قضية تتجاوز الاقتصاد إلى الهوية الاجتماعية والديموغرافية.
وجود الملايين من البشر القادمين من ثقافات ولغات وبيئات اجتماعية متعددة يعني بالضرورة انتقال بعض العادات وأنماط الاستهلاك والتواصل والقيم وأنماط الحياة إلى المجتمع المضيف.
لكن من الخطأ أيضًا اعتبار كل اختلاف ثقافي تهديدًا.
المجتمع الخليجي نفسه لم يكن ثابتًا ثقافيًا عبر التاريخ؛ فقد كان تاريخ المنطقة قائمًا على التجارة والهجرة والتواصل مع الهند وشرق أفريقيا والعراق وإيران وبلاد الشام وغيرها.
المشكلة تظهر عندما تكون حركة الهجرة أكبر من قدرة المؤسسات التعليمية والاجتماعية والقانونية على تنظيم الاندماج والتعايش.
ولهذا فإن المطلوب ليس محاربة التنوع، وإنما إدارة التنوع.
العمالة المنزلية: الحالة الأكثر حساسية
تختلف العمالة المنزلية عن العمالة الموجودة في الشركات والمصانع والمشروعات؛ لأنها تدخل إلى الفضاء الخاص للأسرة.
وهنا تصبح العلاقة أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يتعلق الأمر بعقد عمل فقط، بل بتربية الأطفال، وطريقة التعامل داخل المنزل، والعادات الغذائية، واللغة، والخصوصية، والعلاقات الأسرية.
لذلك تحتاج العمالة المنزلية إلى تنظيم شديد الوضوح من حيث ساعات العمل، والراحة، والأجر، والحقوق والواجبات، والتدريب، وآليات الشكوى والحماية.
وفي المقابل تحتاج الأسرة إلى حماية قانونية واجتماعية تضمن عدم تحول العامل المنزلي إلى عنصر خارج السيطرة النظامية.
الحقوق الإنسانية ليست نقيضًا للمصلحة الاقتصادية
من المهم أن تكون هناك قاعدة واضحة: حماية العامل الأجنبي ليست خدمة له على حساب الدولة، وإنما جزء من كفاءة الاقتصاد نفسه.
العامل الذي يحصل على أجره في موعده، ويعمل في ظروف آمنة، ويحصل على حقوقه، يكون أكثر استقرارًا وإنتاجية وأقل تعرضًا للاستغلال.
ولهذا طورت دول الخليج أنظمة لحماية الأجور وتنظيم العلاقة التعاقدية، بينما توصي منظمة العمل الدولية بتوسيع أنظمة حماية الأجور لتشمل العمال الأكثر هشاشة، وتحسين البيانات والرقابة وآليات التعويض عن انتهاكات الأجور. المصدر:
researchrepository.ilo.org
السؤال الملح في ظل الظرف الإقتصادي الحالي، هل الحل هو تقليل العمالة الأجنبية؟
ليس بالضرورة.
الحل الأكثر عقلانية هو إعادة هندسة العمالة الأجنبية.
ينبغي الانتقال من سياسة تقوم على السؤال: «كم عاملًا نحتاج؟» إلى سياسة تسأل: «أي عامل نحتاج؟ ولماذا؟ وفي أي قطاع؟ ولأي مدة؟ وما القيمة الاقتصادية التي سيضيفها؟»
وهذا يعني تقسيم العمالة إلى مستويات ومهارات وقطاعات، ووضع سياسات مختلفة لكل فئة.
فالعامل المتخصص الذي تحتاج إليه الدولة ينبغي أن تكون سياسة استقدامه مختلفة عن العمالة التي يمكن تأهيل المواطن للقيام بعملها.
كما ينبغي ربط الاستقدام بحجم النشاط الاقتصادي الفعلي، لا بمجرد قدرة المنشأة على طلب مزيد من العمالة.
التوطين وحده لا يكفي
من الأخطاء أيضًا الاعتقاد بأن إحلال المواطن مكان الأجنبي بمجرد إصدار قرار إداري يؤدي تلقائيًا إلى نجاح التوطين.
التوطين الحقيقي يحتاج إلى ثلاثة عناصر متزامنة:
التعليم والتدريب، والأجر المناسب، والإنتاجية.
فإذا كان المواطن يحصل على تعليم لا يتطابق مع احتياجات السوق، فلن تنجح سياسات التوطين.
وإذا كانت الوظيفة ذات أجر منخفض ولا توفر مسارًا مهنيًا، فقد يظل الإقبال عليها ضعيفًا.
وإذا لم ترتفع إنتاجية العامل المحلي من خلال التدريب والتقنية، فقد تبقى المنشأة مقتنعة اقتصاديًا بالعمالة الأجنبية.
إذن القضية ليست «مواطن ضد أجنبي»، وإنما إنتاجية وطنية مقابل نموذج اقتصادي قائم على وفرة العمالة الرخيصة.
الذكاء الاصطناعي والأتمتة: المتغير القادم
ثمة متغير جديد سيغير معادلة العمالة بصورة عميقة، وهو الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
فالمهن الروتينية، وبعض الأعمال الإدارية، والمحاسبية، وخدمة العملاء، والمراقبة، والنقل، والمخازن، وبعض الأعمال الصناعية والزراعية والخدمية، ستشهد خلال السنوات القادمة تغيرًا متزايدًا نتيجة الأتمتة.
وهذا يعني أن السؤال لن يكون فقط: كم عاملًا أجنبيًا نحتاج؟
بل سيصبح:
كم عاملًا نحتاج أصلًا إذا أصبحت الآلة أكثر قدرة على أداء العمل؟
ومن هنا يمكن أن تتحول مشكلة العمالة الأجنبية مستقبلًا من قضية «عدد العمال» إلى قضية نوع المهارات.
وهذا التحول يجب أن يبدأ الآن، لا بعد أن يصبح واقعًا مفروضًا.
المخرج ليس الطرد الجماعي وإنما التوازن
إن المعالجة الحكيمة لا تتمثل في إغلاق أبواب الهجرة ولا في السماح بها بلا حدود.
المعادلة الأفضل هي:
عمالة أجنبية يحتاجها الاقتصاد + عمالة وطنية مؤهلة + أتمتة وتقنية + رقابة قانونية + أجور عادلة + تخطيط سكاني واقتصادي طويل المدى.
وينبغي أن يكون الاستقدام مرتبطًا بالاحتياج الاقتصادي الحقيقي، وأن تُرفع كلفة الاستقدام غير المنتج، وأن تُشجع الشركات على الاستثمار في تدريب المواطن، وأن تصبح نسب التوطين مرتبطة بالإنتاجية لا بمجرد الأرقام.
كما ينبغي بناء قواعد بيانات دقيقة لسوق العمل؛ لأن ضعف البيانات يمثل أصلًا إحدى مشكلات دراسة العمالة المهاجرة في المنطقة العربية، وقد أكدت منظمة العمل الدولية أن إحصاءات الهجرة العمالية في الدول العربية لا تزال تعاني من محدودية في الكمية والمصادر والجودة. المصدر:
International Labour Organization
أخيرا نستطيع القول بأن العمالة الأجنبية مرآة للنموذج الاقتصادي،
وهي ليست مرضًا في الاقتصاد الخليجي، كما أنها أيضا ليست دواءً مطلقًا له. إنها نتيجة للنموذج الاقتصادي نفسه.
فحين يحتاج الاقتصاد إلى عمالة أجنبية، فإن وجودها يصبح ضرورة. وحين يصبح الاقتصاد عاجزًا عن الاستمرار من دون ملايين العمالة منخفضة الأجر، فإن المشكلة لا تعود في العامل وحده، بل في النموذج الاقتصادي الذي أنتج هذه الحاجة.
ولذلك فإن المعادلة الأكثر دقة ليست «العمالة الأجنبية مقابل العمالة الوطنية»، وإنما:
اقتصاد منخفض الإنتاجية يعتمد على كثافة العمالة، في مقابل اقتصاد مرتفع الإنتاجية يعتمد على المعرفة والتقنية والمهارات.
والهدف الاستراتيجي لدول الخليج ينبغي أن يكون الانتقال التدريجي من النموذج الأول إلى الثاني، مع الاحتفاظ بالعمالة الأجنبية التي يحتاج إليها الاقتصاد فعلًا، ولا سيما في التخصصات النوعية والمهن التي تشكل قيمة مضافة حقيقية.
أما العمالة منخفضة المهارة، فينبغي أن تصبح خاضعة لتخطيط أكثر دقة، بحيث لا يتجاوز حجمها حاجة السوق، ولا تتحول وفرتها إلى وسيلة لإبقاء الأجور منخفضة أو تعطيل تدريب المواطن أو تأخير الأتمتة.
وفي النهاية، فإن النجاح لا يقاس بعدد العمال الأجانب الذين يغادرون البلاد، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد على إنتاج القيمة بأقل اعتماد ممكن على العمل منخفض المهارة، وبأعلى اعتماد ممكن على الإنسان المؤهل والتقنية والمعرفة.
وهنا تصبح قضية العمالة الأجنبية من مشكلة يُخشى منها إلى أداة تنموية تُدار بوعي؛ فالعامل الأجنبي الذي تحتاج إليه التنمية ينبغي أن يكون شريكًا فيها، والعامل الذي لم يعد الاقتصاد يحتاج إليه ينبغي أن يفسح المجال للتقنية أو للعامل الوطني، دون أن يتحول الأمر إلى صراع بين إنسان وإنسان، أو بين جنسية وأخرى. فالمشكلة الحقيقية ليست في اختلاف الجنسيات، وإنما في اختلال التوازن بين احتياجات الاقتصاد وقدرات المجتمع على إنتاج العمل والمعرفة والإنتاجية.
وهذا هو المدخل الأكثر واقعية لفهم مستقبل العمالة الأجنبية في الخليج والعالم العربي: لا إقصاء شامل، ولا استقدام مفتوح؛ وإنما هجرة عمالية محسوبة، واقتصاد منتج، ومواطن مؤهل، وعامل وافد محفوظ الكرامة، وسوق عمل تحكمه الحاجة والإنتاجية لا الوفرة وحدها.

شاهد أيضاً

الدكتورة سحر نصر: تحقيق الأمن الغذائي وتحسين معيشة المواطن لن يتحقق إلا من خلال تكامل جهود مؤسسات الدولة

كتب د. عبد العزيز السيد وكيل لجنة الشئون المالية والاقتصادية بمجلس الشيوخ: الرقابة على الأسواق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *