الخميس , 5 نوفمبر 2026

جمال المتولى جمعة يكتب.. بورسعيد .. ملحمة لم تنطفىء جذوتها فى ذاكرة الوطن


فى فجر الخامس من نوفمبر عام 1956 قبل سبعين عاما , استيقظت بورسعيد على واحدة من أعنف لحظات تاريخها لم يكن الفجر يحمل بشائر يوم جديد بل كان يحمل مظلات الغزاة وطائراتهم وأطماع امبراطوريات ظنت أن زمن الاستعمار يمكن ان يعود من جديد وأن إرادة الشعوب يمكن ان تكسر بقوة المدافع وأزيز الطائرات . فى ذلك الفجر هبط المظليون البريطانيون والفرنسيون فى محيط بورسعيد إيذانا ببدء مرحلة جديدة من العدوان الثلاثى على مصر الذى شاركت فيه بريطانيا وفرنسا واسرائيل بعد قرار مصر تأميم قناة السوس فى يوليو من العام نفسه .
كان المشهد أكبر من مجرد معركة على مدينة أو قناة مائية فقد كانت مصر تواجه اختبارا تاريخيا يتعلق بحقها فى السيادة والاستقلال وامتلاك قرارها الوطني .
لكن الغزاة لم يدركوا أنهم يواجهون شعبا لا يمكن اختزال إرادته فى حسابات القوة العسكرية وأن المدن التى تسكنها روح المقاومة لا تستسلم لمجرد ان السماء امتلأت بالطائرات .
لم تكن بورسعيد فى تلك الأيام مجرد مدينة على شاطىء المتوسط بل تحولت الى عنوان للصمود المصرى والى رمز لمقاومة العدوان والاستعمار .
تلاحمت المقاومة الشعبية مع مؤسسات الدولة والقوات المصرية ووقف أبناء المدينة فى مواجهة ألة عسكرية متفوقة فى السلاح والعداد لم يكن الدفاع عن بورسعيد مهمة الجنود وحدهم بل شارك فيه أبناء المدينة من مختلف الأعمار والفئات كل بحسب قدرته وموقعه .
كانت البيوت والشوارع والمستشفيات ومرافق الحياة اليومية جزءا من مشهد المواجهة وكانت إرادة البقاء والدفاع عن الأرض تتجاوز الخوف من القصف والدمار .
وفى السادس من نوفمبر بدأت القوات البريطانية والفرنسية إنزالها البحرى لتدخل المدينة مرحلة شديدة القسوة من المواجهات والدمار والخسائر البشرية .
لقد دفعت بورسعيد ثمنا باهظا وسقط شهداء من أبنائها لكن المدينة بقيت حاضرة فى الوجدان المصري بإعتبارها شاهدا على ِأن المقاومة الشعبية يمكن أن تصبح عنصرا حاسما فى معادلات الصراع .
لم تتوقف أصداء العدوان عند حدود مصر بل امتدت الى الساحة الدولية , حيث واجهت بريطانيا وفرنسا ضغوطا سياسية واقتصادية ودبلوماسية متزايدة .
كان الموقف الأمريكي بقيادة الرئيس ايزنهاور معارضا للعملية العسكرية ومارس ضغوطا مؤثرة على لندن وباريس لوقف العدوان. كما أتخذ الاتحاد السوفيتي موقفا شديد اللهجة ووجه رئيس وزرائه نيكولاى بولجانين فى الخامس من نوفمبر رسائل تهديد الى الحكومتين البريطانية والفرنسية تضمنت تحذيرات من استخدام الصواريخ والأسلحة الحديثة اذا أستمر العدوان .
وهكذا وجدت القوى المعتدية نفسها أمام أزمة دولية متصاعدة لم تعد معها قادرة على التعامل مع الحرب بإعتبارها عملية عسكرية محدودة يمكن التحكم فى نتائجها . وكانت البطولة المصرية وصمود بورسعيد جزءا أساسيا من المشهد الذى جعل استمرار العدوان مكلفا سياسيا ودوليا . وفى السادس من نوفمبر أعلن وقف اطلاق النار تحت وطأة الضغوط الدولية ثم بدأت عملية انسحاب القوات المعتدية حتى اكتمل انسحاب القوات البريطانية والفرنسية فى ديسمبر 1956 م .
لقد أثبتت الأزمة أن التفوق العسكري لا يمنح وحده حق فرض الإرادة على الشعوب وأن حسابات السياسة الدولية قد تتغير عندما تواجه إرادة وطنية متمسكة بحقوقها.
فى الثالث والعشرين من ديسمبر 1956 أكتمل انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من بورسعيد لتطوى المدينة صفحة الاحتلال العسكري وتبدأ صفحة جديدة فى تاريخها الوطني . ومنذ ذلك الحين أصبح الثالث والعشرين من ديسمبر عيدا للنصر فى بورسعيد ومناسبة وطنية تستحضر تضحيات الشهداء والمقاومين وتؤكد مكانة المدينة فى تاريخ الكفاح الوطنى المصري .
ان الاجيال الجديدة التى لم تعش تلك الأيام من حقها ان تعرف ماذا جرى ومن حقها أن تقرأ تاريخ بورسعيد من مصادره وشهادات أبنائها وأن تتعرف الى قصص الشهداء والمقاومين الذين تركوا اسماءهم فى ذاكرة المدينة والوطن . فالأمم التى تنسى تضحيات ابنائها تفقد جانيا من قدرتها على فهم حاضرها والأمم التى تعرف تاريخها تستطيع أن تستلهم منه ما يعينها على بناء مستقبلها .

المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

شاهد أيضاً

حسن الخباز يكتب.. هذا تأثير عرب امريكا على نتائج الانتخابات النصفية التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية

يقدر عدد الأميركيين العرب حوالي 3.7 مليون شخص، وفق آخر تقديرات المعهد العربي الأميركي (AAI)، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *