{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: ٨٨]
الوَفْق: هو المطابقة بين الشيئين، ويقال: وافقتُ الأمر، أي صادفته ولاقيته.
والاتفاق: هو موافقة وقوع الأمر للقدر، ويقال ذلك في الخير والشر؛ فيقال: اتفق لفلان خير، واتفق له شر.
أما التوفيق: فيختص في الاستعمال بالخير دون الشر، وهو أن ييسّر الله لعبده فعل الخير، ويعينه عليه، حتى يوافق عمله ما يحبه الله ويرضاه.
ولكن، ما التوفيق الذي من عند الله؟!
ثم، كيف ومتى يتوافق فعل العبد مع قدر الرب؟!
يبدو التوفيق كطريق يمضي بالإنسان إلى الصلاح والفلاح.
حدُّه الأول: الإرادة وطلب التوفيق من الله، وهو في حد ذاته توفيق من الله.
وحدُّه الآخر: اليقين بأن الأمر كله بيد الله -سبحانه-.
وبينهما نهر الطريق: التوكل على الله وحسن الظن به.
والتوفيق في ذاته لطف من الله ورحمة، وهو نور يقذفه الله في القلب، يهدي الإنسان إلى ما أحل الله، ويعينه على الابتعاد عما نهى عنه؛ وقد يكون خاطرًا يمر بالقلب ولا يبقى، ليذكّر الإنسان بأمر الله وشرعه، وحلاله وحرامه، ويوقظ فيه ما يعلمه من الحق.
يقع الإنسان في الدنيا بين ما هو واجب الحدوث، وهو ما قضاه الله وقدّره، من ناحية، وبين ما يتمنى حدوثه، وما يملك من قدرة على السعي لتحقيقه، من الناحية الأخرى.
وتسبح في الفجوة بينهما الممكنات، وهي كل ما يمكن حدوثه.
والممكنات هي ما تتعدد فيه اختيارات الإنسان؛ تملأ إشاراتها عقله وقلبه وأفكاره ونفسه ووساوسه، وإن لم يدركها جميعًا، فإنه يشعر ببعضها وهي تتردد في قلبه وعقله.
وتلك الإشارات هي ما قد تمنح الإنسان شعورًا بالراحة تجاه اختياراته، فيظن أنه المسيطر الحقيقي على الأمور، وكأن شعوره بالتخيير يمنحه القدرة على التحكم في مآلاتها.
وعندما يريد العبد التوفيق في الخير، حقَّ التوفيق، يطلبه من الله، فيفتح الله له من أبواب الخير ما قد لا يخطر له على بال، ويهديه إلى ما يصلح قلبه وعمله، ويعينه على التمييز بين ما ينفعه وما يضره، ويقرب إلى قلبه خيارات فعل الخير دون الشر.
وحين يحسن التوكل على الله في أمر، ويفوّض إليه عاقبته، يوفّقه الله إلى أن يختار من الممكنات ما يوافق الخير الذي يرضاه الله، وما يقدّره له؛ فيقع الرضا في قلب العبد، ويملؤه اليقين.
وما يزال الرضا يسري في تلك الفجوة بين الواجب حدوثه والممكن حدوثه حتى يملأها، وعندها يشعر الإنسان أن ما اختاره لنفسه، بعد سعيه وتوكله، هو عين ما اختاره له الله.
وما يزال الإيمان بقضاء الله وقدره يملأ قلبه حتى يفيض منه اليقين، وحينها يعلم الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ثم يدرك هذا الإنسان أنه لا مكان في الحقيقة للأماني، ولكن للدعاء والأمل في الله، والرجاء بأن يهب له من المسببات ما يهيئ له أسباب التوفيق والصلاح، ويهب له القدرة على العمل والعبادة والطاعة، حتى تقع تلك الأسباب موقع التمكين، من شفاء، وثبات على الطاعة والعبادة، ونجاح، وتغيير للحال، وصلاح.
ومن تمام رحمة الله بعباده أن أرسل محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ليتم به بيان طريق التوفيق، ويرسم معالمه، ويكشف حدوده وبدايته، ويمهّده وينيره، ويضع لنا بسنته منهج السير فيه؛ ليعمل العبد بما أُمر به، ويبتعد عما نُهي عنه، على بصيرة وفهم ورضا ويقين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على المشكاة التي أضاءت بها دروب الرحمة إلى الحياة، والسراج المنير الذي يهدي السائرين في طريق معرفة الله، والدليل الذي يرشدنا بسنته للفوز بجنة الله ونيل رضاه، سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
