الخميس , 5 نوفمبر 2026

هدى حجاجى تكتب.. الفصل الجديد من رواية «امرأة من زمن الحلم الضائع» حين استعارت الأحاديث عكازًا


لم أكن أعرف متى تعلمت هالة أن تتظاهر باللامبالاة، ولا كيف استطاعت أن تصل إلى تلك المرحلة التي تلقي فيها الكلمات كما لو أنها لا تعنيها، ثم تمضي دون أن تلتفت إلى أثرها. كانت تقول لنفسها إنها تستطيع أن ترمي الكلام وتنساه، وأن تترك خلفها أحاديث لم تعد ترغب في استكمالها، لكن الحقيقة أن بعض الكلمات لا تسقط حين نلقيها، بل تظل معلقة في مكان ما من الذاكرة، تنتظر لحظة ضعف لتعود وتجلس قبالتنا. في ذلك الصباح جلست هالة إلى جوار نافذة الفصل، تراقب حركة التلاميذ في الفناء، بينما كانت سناء تحكي لها عن خلاف نشب بينها وبين إحدى قريباتها. استمعت هالة بصمت، ثم قالت وهي تقلب صفحات دفترها: «أحيانًا لا تكون المشكلة فيما قيل، بل فيما لم نستطع قوله، في الأحاديث التي بُترت ساقاها قبل أن تصل إلى نهايتها». ضحكت سناء وسألتها: «وما شأن الأحاديث بالساقين؟» ابتسمت هالة وقالت: «بعض الأحاديث لا تستطيع الوقوف وحدها، تحتاج إلى من يمنحها عكازًا كي تتكلم، وربما تحتاج إلى قلب لا يقاطعها قبل أن تنتهي». لم تكن سناء تعرف أن هالة تتحدث عن نفسها، عن كلمات كثيرة ابتلعتها في أوقات كان ينبغي لها أن تقولها، وعن أسئلة تركتها معلقة لأن الإجابة لم تكن تستحق أن تخسر من أجلها سلامها. أغلقت دفترها حين دخلت الأستاذة عزة، فاقتربت منها وسألتها عن المقال الذي كانت تعده للمسابقة الصحفية. أجابتها هالة بأنها انتهت من مسودته، لكنها لم تحسم عنوانه بعد. تناولت عزة الأوراق، وراحت تقرأ بصمت، ثم توقفت عند فقرة كتبت فيها هالة: «يُمكنني أن لا أبالي لدرجة أرمي فيها الكلام وأنساه، لكنني لا أستطيع أن أضمن لذاكرتي أن تفعل مثلي». رفعت عزة عينيها إليها وقالت: «هذه جملة تحمل تجربة أكبر من عمرها يا هالة». لم تجب هالة، فقد كانت تعرف أن بعض التجارب لا تقاس بعدد السنوات، بل بعدد المرات التي يضطر فيها الإنسان إلى ابتلاع صوته كي لا يخسر شيئًا يحبه. وفي طريق عودتها من المدرسة، تذكرت حديثًا قديمًا تمنّت فيه لو استطاعت هي والآخرون أن يتلاشوا عند حدود بعضهم البعض، فلا يتجاوز أحدهم مساحة الآخر، ولا يطالب أحدهم الآخر بما لا يستطيع منحه. لكنها اكتشفت أن ما حدث بينهم كان عظيمًا وتافهًا في الوقت نفسه؛ عظيمًا بما تركه من أثر، وتافهًا حين أدركت أن الحياة لا تتوقف عند سوء فهم، ولا ينبغي أن تظل رهينة كلمة لم تجد طريقها إلى صاحبها. وفي المساء، جلست أمام المرآة تتأمل وجهها، وتذكرت أن النظرة ليست مجرد حركة عابرة في العين، بل نبرة تحمل نافذتين؛ نافذة نطل منها على ما نظهره للآخرين، وأخرى نختبئ خلفها بما لا نجرؤ على قوله. تساءلت: كم مرة فهم الناس صمتها على غير حقيقته؟ وكم مرة ظنوا أن ابتسامتها تعني الرضا، بينما كانت تخفي خلفها اعتراضًا طويلًا؟ فتحت دفترها وكتبت: «أُنسي وونسي؛ أحيانًا يكون النسيان نعمة، وأحيانًا يكون الونس أن تجد من لا يطالبك بشرح كل ما تخفيه». ثم أغلقت الدفتر، وقررت أن تترك بعض الأحاديث تمضي دون عكاز، وأن تمنح نفسها حق الصمت حين لا تجد في الكلام جدوى. لم تكن تريد أن تنتصر على أحد، ولا أن تثبت أنها كانت على حق، كانت تريد فقط أن تعود إلى نفسها دون أن تحمل فوق كتفيها حكايات الآخرين. وفي اليوم التالي، حين التقت عينيها بعيني فتحي داخل الفصل، اكتفت بتحية هادئة، ثم انشغلت بكتابها. لم يكن في الأمر تجاهل متعمد، ولا رسالة مبطنة، بل كان احترامًا لما اتفقا عليه، وإدراكًا بأن لكل إنسان حدوده التي ينبغي ألا يتجاوزها الآخرون. أما هي، فقد بدأت تفهم أن النضج ليس أن تصبح بلا مشاعر، بل أن تعرف أين تضع مشاعرك، ومتى تتحدث، ومتى تترك الكلام يسقط دون أن تنحني لالتقاطه.

شاهد أيضاً

الخميس.. الثقافة تحتفل بتخرج الدفعة الثالثة من مشروع “ابدأ حلمك” بشمال سيناء

شمال سيناء عاصمة الثقافة المصرية تشهد تخرج دفعة “ابدأ حلمك” لإعداد الممثل الشامل.. الخميس المقبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *