الخميس , 5 نوفمبر 2026

سيد الرشيدي يكتب.. إضاءات على مشوار الأديب والناقد حمد حميد الرشيدي



تستوقفني دائماً تلك القامات الفكرية التي لا تكتفي بالسير في درب واحد، بل تتخذ من المعرفة أفصولاً متعددة، وتجمع بين صرامة العلم ودقة استقراء الأرض وبين رهافة الحس الأدبي وشغف التدوين التاريخي. وفي مقدمة هذه القامات، يأتي أخي وصديقي الأديب والباحث والناقد والروائي السعودي الأستاذ حمد حميد فحيمان الذيابي الرشيدي؛ وهو رجل لا أجد في وصفه أجمل من أنه سليل الجذور الضاربة في عمق التاريخ، ورمز من رموز قبيلة بني رشيد العريقة، وحارس للأثر والإبداع في مشهدنا الثقافي العربي المعاصر.
إن الحديث عن حمد الرشيدي ليس مجرد رصد لسيرة ذاتية حافلة بالشهادات والمناصب، بل هو استغوار لمشروع فكري وإنساني امتد لعقود؛ استطاع خلاله أن يبني جسوراً متينة بين الرتبة العسكرية، والمختبر الجيولوجي، والصفحة الصحفية، والقصيدة الشعرية، والرواية التاريخية.
-التكوين العلمي والمهني.. تمازج الصرامة بالإبداع:
ولد الأستاذ حمد حميد الرشيدي في ضواحي مدينة خيبر بالمملكة العربية السعودية عام 1966م، ونشأ في بيئة تستحضر التاريخ والجغرافيا في كل ثنية من ثناياها. انعكس هذا النشاط المكاني مبكراً على مسيرته العلمية والمهنية:
-الخلفية الجيولوجية والأنثروبولوجية:
حصل على بكالوريوس العلوم في الجيولوجيا من جامعة الملك سعود بالرياض عام 1994م، ثم صقل هذا التخصص العلمي بدبلوم متقدم ودورة تدريبية مكثفة لمدة سنتين في مجال “الاستشعار عن بعد” من معهد الدراسات العليا والبحوث بجامعة الإسكندرية في مصر عام 2006م. ولم يكن هذا التخصص مجرد شهادة، بل تحول في وعيه الإبداعي إلى رؤية نقدية وفلسفية ظهرت جلياً في ابتكاره لمفهوم “الجيو إنسانيات” أو الجيولوجيا الإنسانية، راداً بها العلاقة بين تكوين الأرض ونبض الشعر.
-الخدمة العسكرية:
خدم في القوات المسلحة السعودية لأكثر من 25 عاماً، وتدرج في رتبه العسكرية حتى تقاعد برتبة عقيد. منحه هذا المضمار العسكري انضباطاً صارماً، ودقة في الملاحظة، وصبراً طويلاً في البحث، وهي أدوات سخّرها لاحقاً في التدوين والتحقيق والتأليف.
-الحضور الصحفي والإعلامي.. صانع المشهد ومحاوره:
دخل حمد الرشيدي محراب الصحافة الثقافية من أبوابها العريضة، تاركاً بصمة واضحة في كبرى المؤسسات الصحفية السعودية والعربية:
-بدأ مشواره الصحفي محرراً بالقسم الثقافي في جريدة المسائية السعودية (المؤسسة الجزيرة) بالرياض بين عامي 1994م و1995م.
-الرئاسة والإشراف:
ترأس القسم الثقافي بمجلة فواصل بالرياض (2000م – 2002م)، وشغل موقع المشرف على الملف الثقافي لمجلة أحوال المعرفة الفصلية الصادرة عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض عام 2011م.
-الكاتب الدائم:
نشر مقالاته ودراساته في أمهات الصحف والمجلات السعودية مثل: الرياض، الجزيرة، عكاظ، البلاد، اليوم، المدينة، الوطن، مجلة اليمامة، المجلة العربية، مجلة الحرس الوطني، ومجلة الدفاع.
-العمل الإذاعي والتلفزيوني:
امتد عطاؤه إلى الفضاء الإذاعي والتلفزيوني؛ فكان معداً ومقدماً لبرامج ثقافية بارزة، منها برنامج أوراق شاعر عبر إذاعة الرياض (1999م)، وبرنامج كتب مهداة على قناة الثقافية الفضائية السعودية (2015م – 2017م).
-يتميز المشهد الثقافي للأستاذ حمد الرشيدي بغزارة إنتاجه المتنوع بين الشعر، والسرد، والتاريخ، والنقد الأدبي:
الدواوين الشعرية:
قدم للمكتبة العربية دواوين تنبض بالوجد والرمزية، منها: للجراح ريش وللرياح وكر (1997م)، أبجديات الروح والجسد (2006م)، ودراسته التوثيقية لـديوان الشاعر حميد بن فحيمان الرشيدي: حياته وشعره (2005م). وتُوّج عطاؤه الشعري بديوان مواسم الشعر (2022م)، الذي حظي باهتمام أكاديمي عالمي حيث قامت جامعة بون في ألمانيا بترجمته إلى اللغة الألمانية.
-الرواية والسرد:
حقق حضوراً روائياً لافتاً، وفي مقدمة أعماله روايته التاريخية شوال الرياض الصادرة عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة عام 2003م، والتي حازت على جائزة المكتبة كأفضل رواية تاريخية أدبية عن حياة الملك عبد العزيز وتأسيس المملكة بمناسبة المئوية. وتوالت أعماله السردية لتشمل: أقدام تنتعل السراب (2008م)، حكايات السعودي (قصص ممسرحة، بيروت 2010م)، مجنون ليلى اليهودية (بيروت 2016م)، ورواية الصعاليك (القاهرة 2020م).
-الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية والأنشطة البحثية:
تتبع معالم وطنه وتاريخ مجتمعه بدقة المؤرخ وشغف الأنثروبولوجي؛ فكتب خيبر ضمن سلسلة “هذه بلادنا” (2013م)، وخيبر ومعالمها في الشعر العربي (2014م)، وخيبر القديمة وأهميتها التاريخية (بيروت 2016م). كما غاص في دراسة البنية الاجتماعية في كتابه العودة إلى ثقافة القبيلة… الجاهلية الجديدة (بيروت 2015م)، وشارك في ترجمة وتحقيق كتاب بدو الرشايدة… العرب الرحل في شرق السودان للدكتور وليام يانغ (بالاشتراك مع محققه عطا الله ابن حنية 2015م)، وكتاب مكان وتاريخ (2016م). إضافة إلى مخطوطاته المشهودة مثل جزيرتا تيران وصنافر السعوديتان، وسنوات في ذاكرة نجد، والثمد عبر التاريخ.
-النقد والتراجم والقراءات:
أسهم في رصد الحركة النقدية والببليوغرافية من خلال كتبه: مقاربات نقدية (القاهرة 2016م)، كتب مهداة (2017م)، توائم الشعراء (2017م)، كتب وكتاب (القاهرة 2018م)، محمد عابس… قراءات وشهادات (2020م)، وسلسلته التوثيقية أوراق وأقلام الصادرة عن روز اليوسف (2020م)، إلى جانب عمله المجلد الضخم مختصر سير شعراء العربية (في 5 مجلدات تحت الإعداد)، ومؤلفه الملك سلمان في شعر عاصفة الحزم.
-في أروقة القاهرة وضفاف النيل.. عن لقاءاتي ومجالسي معه:
تأخذ علاقتي بالصديق حمد الرشيدي أبعاداً إنسانية وفكرية متينة تستمد دفأها من المحبة المتبادلة والانتماء العربي الأصيل. فهو صديق قديم ومحب لمصر، يحرص حرصاً أشبه بالطقس الثقافي السنوي على زيارة القاهرة، لا سيما خلال انعقاد معرض القاهرة الدولي للكتاب.
في كل دورة من دورات المعرض وفي أروقة القاهرة التاريخية، نلتقي ليجمعنا شغف الحرف والحديث الذي لا يمل. نتشارك جلسات الحوار الثقافي في مقاهي وسط البلد وعلى مقربة من المعالم الأثرية، نتناقش حول شجون التأليف، وحركة النشر في العالم العربي، وقضايا التدوين التاريخي للقبائل العربية ودورها الحضاري في شبه الجزيرة ومصر والسودان.
أجد فيه دائماً طاقة متجددة للبحث، ووعياً رصيناً بالموروث الشعبي والأنثروبولوجي، وإنتاجاً لا يهدأ. نتنقل في حديثنا بين نصوص الشعر العمودي والنبطي، وبين قراءة التحولات الاجتماعية والتاريخية، مصحوبة بتلك الروح الأخوية السامية التي تجعل من لقاءاتنا في مصر محطة فكرية ننتظرها كل عام.
إن حمد حميد الرشيدي ليس مجرد اسم في قائمة المؤلفين، بل هو نموذج للمثقف العصامي الشامل الذي لم تثنه الوظيفة العسكرية ولا الجغرافيا العلمية عن أن يكون مبدعاً متعدداً، ومؤرخاً مدققاً، وناقداً بصيراً. وسيظل بحضوره الثقافي الفاعل وإسهاماته المتواصلة رمزاً يشار إليه بالبنان في قبيلته “بني رشيد” وفي وطنه المملكة العربية السعودية، وعلماً يضيء في سماء الثقافة العربية برمتها.

شاهد أيضاً

جمال المتولى جمعة يكتب.. بورسعيد .. ملحمة لم تنطفىء جذوتها فى ذاكرة الوطن

فى فجر الخامس من نوفمبر عام 1956 قبل سبعين عاما , استيقظت بورسعيد على واحدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *