منذ أن تجرأ طه حسين وشكك في الوجود التاريخي لإبراهيم (عليه السلام)، نقلا عن المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مرجليوث، لم يتوقف التشكيك في الوجود التاريخي للأنبياء، يخبو فترة ثم يعود، والمقصود بالوجود التاريخي هو الوجود الفعلي الحقيقي على الأرض، حيث درج المشككون على اعتبار ما ورد في الكتب السماوية عن الأنبياء نوعا من الحكايات والأساطير، ولا يعني بالضرورة وجود هؤلاء الأنبياء في الحقيقة، إذا لم يظهر دليل أثري مادي يؤكد وجودهم.
في كتابه (الشعر الجاهلى) يقول طه حسين: “للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما في التاريخ”.
هذه الجرأة البادية في كلام طه حسين عن إنكار حقيقة واردة في القرآن الكريم كانت جديدة في ذلك الزمن (عام 1926)، مما استفز اليقين الديني الراسخ لدى المصريين، فقوبل الكتاب بعاصفة من الاستنكار وصلت إلى البرلمان والنيابة العامة، وخرجت كتب عديدة ترد عليه، ورغم أن العاصفة حققت للرجل ما أراد من شهرة، إلا أنه اضطر في النهاية إلى أن ينحني أمامها، ويعيد إصدار كتابه بعنوان (في الأدب الجاهلي) بعد أن نزع منه عبارات التشكيك.
واليوم تعود شبهة الوجود التاريخي للأنبياء للظهور من خلال بعض الوجوه المعروفة بالجرأة على استفزاز اليقين الإيماني للمصريين، الذين يدعون إلى الفصل بين (السرد الديني الروحي) و (التاريخ المادي الموثق)، والتشكيك في الوجود الحقيقي للأنبياء ما لم يؤيد بمبرر علمي كاف مثل المخطوطات والاكتشافات الأثرية، فورورد هؤلاء الأنبياء في القرآن لا يكفي لإثبات حقيقة وجودهم.
وردا على هذا الضلال الذي يذاع على الفضائيات عقدت ندوة لعلماء الآثار في اتحاد الكتاب حول قضية الوجود التاريخى للأنبياء، وانعدام الأدلة الأثرية التي تثبت هذا الوجود، وما يسوقه الأثريون الأجانب والمستشرقون في هذا الشأن ويتبناه بعض من غير المتخصصين عندنا، ويتخذون منه أداة للطعن فيما جاء بالقرآن الكريم.
تحدث في الندوة الدكتور محمد حمزة أستاذ الآثار والعميد الأسبق لكلية الآثار بجامعة القاهرة، والدكتور محمود الشنديدى المدير العام السابق لهيئة صندوق إنقاذ آثار النوبة، فأكدا أن الوجود التاريخى للأنبياء أمر مقطوع به بالنسبة للمسلمين، ودليل الإثبات هو القرآن الكريم، أما الدليل الأثري فيكون لتأكيد الوجود القرآني وزيادة الإيمان به، وليس لإنشائه، ومن يدعى خلاف ما فى القرآن الكريم عن الأنبياء يطعن فى صدق القرآن، وبالتالى ينتقل الحديث معه سواء أكان مسلما أو غير مسلم إلى تحدي القرآن نفسه؛ إما أن يصدقه كله، بآياته وأشخاصه ورواياته، ويؤمن بما فيه، أو يكذبه و يكفر به، وهو حر في ذلك.
وكان مما أوضحاه في هذا الصدد أن مشكلة البحث فى الوجود التاريخى للأنبياء تسير فى فلك المدرسة الغربية، التي ربطت علم الآثار برواية التوراة، أو ما يسمى بعلم الآثار التوراتى، وهو ما أسفر فى النهاية عن عدم قدرة الأدلة الأثرية على تأكيد رواية التوراة، مما دعا علماء الآثار الغربيين إلى التخلص من هذا الربط بين نص مختلف على دقة و صحة روايته ونتائج البحث المادى، ومن ثم انطلق علم الآثار فى الغرب حاليا بعيدا عن هذا الربط الذى يحدث البلبلة.
أما بالنسبة للمسلمين فإن البحث والتنقيب عن الأدلة الأثرية مطلب قرآنى، يزيد إيمان المؤمنين كلما انكشف دليل، لكننا لا نبحث وننقب لأننا نريد العثور على دليل نصدق به القرآن، ناهيك عن أن المعرفة المستندة إلى علم الآثار معرفة نسبية، فقد لا تكون هناك آثار من الأساس لشخص ما أو لحدث ما، وربما تكون هناك آثار واندثرت، أو تكون هناك آثار ومخطوطات لم نصل إليها بعد، ولذلك فإن الربط بين المعرفة النسبية والمعرفة المستندة إلى اليقين الديني المطلق خطأ منهجي لا يقع فيه العلماء الثقات، وهناك تفاصيل تاريخية كثيرة لم يتوقف عندها القرآن، مثل تحديد فرعون موسى، وتركها غير مؤكدة لحكمة إلهية قد يكشف عنها عندما يأذن الله.
هذا هو رأي العلم في الصخب الذي يعرض على الفضائيات بغير علم من أناس همهم الإثارة والشهرة، لكن شتان بين برامج تقتحم على الناس بيوتهم، وندوة محدودة في اتحاد الكتاب لا يعلمها إلا قليل.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
