بعد ايام قليلة مصر على موعد مع واحد من المؤتمرات العلمية المهمة الخاصة بحوار الاديان والثقافات..المؤتمر ينظمه المجلس الاعلى للشئون الاسلامية منتصف شهر مارس القادم تحت رعاية الرئيس السيسي.
المؤتمر يحمل رسالة مهمة للعالم المتحضر شرقه وغربه لاعادة الاعتبار لمفهوم الحوار بين الثقافات والاديان والمقاصد السامية والغايات النبيلة التى تهدف الى الارتقاء بالانسان والقيم الانسانية النبيلة بطريقة صحيحة وعادلة بعيدا عن الشعارات الرنانة والتوظيف السئ او قل التلاعب بالقيم من اجل اهداف اخرى لاعلاقة لها لابالاديان ولا بالانسانية.
لعل المؤتمر يكتسب اهمية من ذلك التوقيت والوضع الحرج الذي تعاني فيه الكثير من الشعوب من اختلال في منظومة القيم والمعايير اختلال يبتعد بها كثيرا عن روح الانسانية بل ويكرس لمزيد من العنصرية والكراهية البغيضة حتى في اكثر الدول ادعاء للتحضر والمدنية رغم ما تلهب به ظهور كثير من الشعوب عن المساواة والعدالة وحقوق الانسان وما تتشدق به من سياسات تتستر وراء رايات حقوق الانسان وهي في الحقيقة الاكثر انتهاكا لحقوق الانسان بل الحيوان ايضا.
بنظرة سريعة على الخريطة العالمية يتضح بجلاء السقوط المدوي والمزري لكثير من القوى الكبرى التى سقطت في هاوية الاساءة لحقوق الانسان وضلوعها في لعبة خطرة ترفع تلك الرايات في حين انها تتنكر بشدة لحقوق الانسان ولا تتذكرها وترفعها الا عندما تتعارض مصالحها الاستعمارية مع المصالح الوطنية والامثلة تتسع باتساع الكرة الارضية خاصة ما يتعلق بحقوق الاقليات الدينية والرغبة في ممارسة ضغوط سياسية على هذه الدول او تلك ضد مصالحها الوطنية فسرعان ما يتم التلويح بورقة حقوق الانسان او المساوة او حقوق المراة اوحقوق سياسية لفئات معينة وربما تكون ضالة او مشبوهة ولكن يتم اتخاذها من بين اوراق الضغط داخليا وخارجيا.
مصر كانت من اوائل الدول التى نبهت الى خطورة تلك التوجهات واضرارها على الجميع وليس على طرف واحد وركزت على قصور الفهم والنظرة الضيقة لبعض المفاهيم خاصة ما يتعلق بحقوق الانسان وهي قضية مهمة تشمل جميع البشر وليس فئة محددة او افراد بعينهم دون غيرهم.
وايضا ربطت بين القيم الدينية والانسانية وانها لا تتعارض في المقاصد الا ان القيم الدينية تسمو على القيم البشرية. واصرت مصر على ضرورة تصحيح المفاهيم وازالة الخلط الفج بين ماهو ديني وانساني.
ولعل الجميع يذكر ذلك الحوار المهم بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي في قلب الاليزيه في باريس حين قال بالحرف الواحد لماكرون إن “من حق الإنسان أن يعتنق ما يعتنق ويرفض ما يرفض لكن من المهم ونحن نعبر عن رأينا أن لا نقول من أجل القيم الانسانية،و تُنتهك قيم دينية – مرتبة القيم الدينية أعلى كثيرا. أتصور أن التساوي بين القيم الانسانية ونحن نحترمها ونقبلها والقيم الدينية أمر يحتاج منا إلى المراجعة بمنتهى الهدوء والتوازن”..
وكان ماكرون يحاول تبرير الاساءة للاديان والهجوم عليها باسم الحرية وحقوق الانسان في التعبير وحاول ان يضفي على الامر نزعة فلسفية حين قال نصا:”هذه هي مساهمة فلسفة التنوير والمساهمة الهائلة لحقوق الإنسان في السلم العالمي وهذا ما يجعلني دائمًا أدافع عنها في كل مكان”.
هذا التارجح والتخبط في المسائل شديدة الحساسية والارتباط بالدين وتوجهات السياسة والسير في الاتجاه وعكسه في ان واحد وفقا للغايات والمقاصد والمصالح يلزم ان يتحرك الجميع لوضع النقاط على الحروف ووضع حد لتلك الازدواجية البغيضة والرغبات المستعرة في التلاعب بمصير الافراد والشعوب وايضا بمستقبل الدول وامنها واستقرارها..
ولعل هذا ما يجعلنا نعقد امالا كبيرة على المؤتمر القادم للمجلس الاعلى للشئون الاسلامية برئاسة الدكتور محمد مختار جمعة وزير الاوقاف.. المؤتمر جاء في إطار دعوة الرئيس الدائمة للحوار الهادف وإحلال لغة الحوار محل لغة الصدام والاحتراب كما قال الوزير إذ لا غنى للبشرية عن حوار بنَّاء يقوم على أرضية إنسانية خالصة تراعي الحفاظ على أمن الجميع وتعمل على تحقيق السلام الإنساني وتحترم خصوصية الآخرين الدينية والثقافية وعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم المستقرة.
تدورقضايا المؤتمر حول ستة محاور رئيسية: مفهوم الحوار وغاياته فالحوار لابد له من غاية يهدف إلى تحقيقها وليس مجرد حوار لإثبات حالة أو موقف وحتى لا يكون حوارا جدليا أو سوفسطائيا وعقلانية الحوار وعلاقتها بقضايا التجديد والحوار والمشترك الإنساني: دينيًّا وثقافيًّا والحوار واحترام خصوصية الآخر:دينيًّا وثقافيًّا وأثر الحوار البناء في مكافحة الإرهاب وصنع السلام الإنساني وعوامل نجاح الحوار .
الموضوعات المطروحة للنقاش والضيوف المشاركين او المدعوون للمشاركة والمساهمة في الحوار يجعلنا على ثقة بان روحا جديدة تدب في مؤتمرات الحوار بين الاديان واننا على اعتاب خطوة ربما يكون لها ما لها في طبيعة الحوار ونتائجه.
قد يسأل البعض ولماذا ؟
الجوااب ببساطة لان التوقيت مختلف وان نهر الحوار جرت فيه مياة كثيرة بعضها كان مزعجا ورغم ذلك لم يفقد الحالمون والمخلصون الامل لا نبالغ اذا قلنا ان الامل كان ضعيفا والنتائج عن اللقاءات لم تكن على قدر التحدي والامل الذي تنتظره البشرية .. ربما ساهمت عملية اختلال موازين القوى في مجريات الامور ويضا لم تكن الحالة الاسلامية تسر عدوا او حبيبا وكانت الروح اكثر عدوانية والاسنان مسنونة ضد الاسلام صراحة ولم يكن الجانب الاسلامي من القوة التى تجعله مبادرا بل لم يكن قادرا حتى على الدفاع ..
الان الوضع مختلف حتى وان بقي الوضع الاسلامي على غير مايرام لكن الاهم ان اوراق كثيرة من اللعبة تكشفت وهناك رفض عام للخلط في المفاهيم والتلاعب بالقيم وفقا للاهواء والنزعات والنزاعات السياسية..
ولا يمكن ان نغفل التحول الكبير الذي ضرب المجتمعات الغربية عموما وامريكا والاضرار التى سببتها قوى اليمين المتطرف على الحياة عامة والتوجهات السياسية وارتفاع النبرة العنصرية والاستعلاء للجنس الابيض و ما شابه ذلك الامر الذي اسقط الكثير من اوراق التوت في لعبة الخداه والمتاجرة بالقيم وشعارات حقوق الانسان وغيرها..
يضاف الى ذلك ان درجة الوعي العام اضحت عالية جدا وهناك رغبة صادقة في تجاوز الكثير من الازمات والبناء على المشترك الانساني العام واحترام الاخر بجدية وليس مجرد كلام واعتبار هذا الاحترام حق اصيل وليس منحة او عطية من احد.كل هذه المتغيرات تمنح الحوار الجاد والصادق قوة دفع حقيقية الى الامام
وترفع من روح التفاؤل وتعزز درجات الامل في المستقبل الواعد من اجل الانسانية بعيدا عن المصالح الضيقة والتوجهات العنصرية البغيضة..
لابد من الاشارة الى ان مصر دعت لهذا الحوار نخبة مميزة من المفكرين واصحاب الرؤئ الفكرية ليس فقط الدينية بل السياسية والعلمية والاجتماعية والاعلامية من كبار الكتاب ورؤساء التحرير لاصدارات عالمية الى جانب ممثلين عن الطوائف الدينية المختلفة من مختلف دول العالم شرقا وغربا لاثراء الحوار والخروج بنتائج معبرة وقادرة على رسم معالم طريق واضح من اجل خير الانسانية..
والله المستعان ..
Megahedkh@hotmail.com










