مدبولي عتمان يكتب.. مسئولية نملة ‏


‏ ‏توقفت طويلا عند واقعة تاريخية حدثت بين احدى المخلوقات ‏الضعيفة جدا، وبين أحد أقوى ملوك الأرض في زمانه ،بل الأقوى ‏على الإطلاق لأنه كان يملك جيشا قويا جنوده من الإنس والجن ‏والطير . وهي واقعة حقيقة ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن ‏الكريم في الآيات 17 و18 و19 من سورة النمل : ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ ‏جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى ‏وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ٱدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ‏سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكَاً مِّنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ ‏أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ ‏صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).‏

فالنملة قامت بواجبها بمسئولية وانذرت قومها من الخطر،والجميل ان ‏الملك والنبي سليمان عليه السلام استحسن فعلها ولم يعرضها لأي ‏أذى، وشكر الله على نعمة فهمه للغتها. وقد يسأل قارئ وهل النملة ‏عندما انذرت قومها كانت تعلم ان سليمان ملك وحاكم ورغم ذلك ‏تجرأت ؟! والإجابة نعم . اما كيف عرفت ؟. فالعلم عند الله الذي ‏أعلمها بخبر سليمان وجنوده، وعلم سليمان لغتها.‏

ولم أقف عند تلك الواقعة للتسلية او للترويح عن النفس ولكن ‏لاستخلاص دروس وعبر تفيدنا في زماننا المعاصر . ويستخلص ‏الداعية الاسلامي بلال بن عبدالصابر قديري بعض الدروس من ‏تصرف النملة مع سيدنا سليمان وجيشه والتي يجب ان يستفيد بها بني ‏البشر ويقول : ” لم تحملها الأنانية على النجاة بنفسها هرباً. ثم إنها ‏كانت في وادي النمل، فلم تتكل على غيرها، ولم تنظر إلى كثرة النمل ‏غيرها، وكانت نملة من أفراد النمل، لا منصب لها ولا مكانة، فلم ‏تزدري نفسها، بل قامت بالبلاغ المبين فأنقذت أمتها، مع أنها لم تكن ‏ذات منصب أو وجاهة”.‏

لم تكن النملة أنانية ، بينما نجد للأسف كثير من البشر تدفهم الأنانية ‏وجب الذات إلى النجاة بالنفس مع إقتراب أي خطر دون الإهتمام ‏بالآخرين حتى ولو كانوا من المقربين . ويتخذون لأنفسهم مبررا ‏بقولهم ” أنا مالي ” . وللأسف ثقافة الأنانية تعززها أمثال شعبية ، ‏منها المثل السئ القائل ” نفسي ومن بعدي الطوفان “، ومنها المثل ‏الأسوأ القائل ” اذا جه الطوفان حط ابنك تحت رجليك”.‏

ولم تتكل النملة على غيرها مثلما يفعل الكثير من بن آدم الذين ‏يعيشيون حياة الإتكالية على الأخرين والعشوائية . ويتقاعسون عن ‏الانذار بالخطر او محاربة المنكر بقولهم :” خليها تيجي من غيري”.‏

والدرس الأهم من وجهة نظري أن النملة لم تقلل من شأن نفسها ، ‏وأنها مجرد نملة في وادي ملئ بالنمل، وليس لها أي دور قيادي . ‏وقامت بالتحذير من الخطر وقامت بإنقاذ كل النمل رغم أنها ليست ‏في موقع المسئولية . والكثير من البشر خاصة في عالمنا العربي ‏والاسلامي يتقاعس عن إبداء النصح أو البحث عن مخرج لأي أزمة ‏بدعوى أنه غير مؤثر لأنه لا يتولى منصب أو موقع قيادي يستطيع ‏ان ينفذ ما يقترحه . ‏

ولمس الداعية قديري صفة مهمة في النملة صاحبة بلاغ التحذير ‏لقومها وهي انها كانت عادلة في بلاغها فقال :” كان العدل لها سمةً، ‏فاعتذرت عن فعل سليمان وجنوده في قولها (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) ، في ‏حين إنه لا حاجة لاعتذارها له، واعتذارها براءة لها من حمل الأفعال ‏على سيئ المحامل والمقاصد، إذ تتبع العثرات ليس من شيم الكرام”.‏

أما الباحث حامد شاكر العاني فيدلنا على درس هام جدا عن مجتمع ‏النمل يتمثل في الإستجابة للنصيحة حتى لو كانت صادرة من نملة ‏عادية وليست قائدة فيقول: “واللافت للنظر أن العلماء وجدوا أن ‏مجتمع النمل يستجيب لأي نداء يوجه إليه من أي نملة تحذرهم من أي ‏خطر مهما كان نوعها ولونها، لدرجة أن النمل يلبي النداء على الفور ‏وبدون تلكؤ، لهذا استجاب النمل بمجرد سماع نداء النملة فدخلوا ‏مساكنهم مخافة أن يحطمهم ويدوسهم ويسحقهم سليمان وجنوده”.‏

‏ وهو درس يجب ان يتوقف بني البشرعنده طويلا فكثيرا ما نرفض ‏قبول دعاوي النصح والاصلاح بدعوى انها صادرة من جهة لا ‏تتولى المسئولية أو من الفصيل الفلاني او من الحزب المعارض.‏

ومن وجهة نظري أرى أن النملة كانت صادقة في تحذيرها لقومها، ‏ولم تهون من الخطر أو تضخمه. وبالتالي جاءت الاستجابة سريعة ‏ودون تردد من جموع النمل . وبالتالي يجب ان تتسم دعاوي وبرامج ‏الاصلاح في أي مجتمع بشري بالإخلاص والصدق والموضوعية ‏حتى تلقى قبولا من الآخرين.‏
‏ ‏

شاهد أيضاً

مجدي سبلة يكتب.. ..مقاطيع…(لاهاى)

اختار الهاربين من جماعة الاخوان ومن يطلقون على انفسهم المعاضين المصريين منذ ٢٠١٣ مدينة (لاهاى) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *