مدبولي عتمان يكتب.. ‏البِرُّ بالمُعلم‏

‏

توقف الأستاذ طويلا عند جملة كتبها أحد تلامذته يقول فيه :” أسعد ‏بمراسلتك كنوع من البر من طالب علم لاستاذه “. فللمرة الأول يسمع ‏الأستاذ عن البر بالمُعلم . فقد سمع كثيرا عن تكريم المُعلم واحترام ‏المُعلم وتقدير المُعلم ، أما البر به فهو مفهوم جديد يطرحه التلميذ مما ‏يكشف عن واسع فهمه ،وعن عمق ما تعلمه، وعن قيمة ما قدمه ‏المعلم .‏
ولم يخف المُعلم سعادته برسالة تلميذه الذي يعمل في مهنة أصحاب ‏القلم . وأظهر المعلم سعادة أكبر، عندما استجاب التلميذ لنصيحته بأن ‏يواصل الدرب كي ينفع الناس بفكره ، فرد قائلا : ” لم ولن أتوقف ‏عن التواصل، بكل ما يمن الله به علي من عطاء العقل أو النقل أو ‏بهما معا،لا في ظروف اضطرارية خارجة عن الإرادة. والدعاء ‏موصول لكم بموفور الصحة وطول العمر وإن يبارك عقلكم وقلمكم”. ‏

وهنا أظهر الأستاذ فرحة كبرى وقال : ” الحمد لله الذي أطال في ‏عمري كي أشاهد ثمرة جهدي “، فقد كان كل اهتمامه توريث ‏الأصول والقيم الصحيحة للمهنة. فالبر بالمُعلم لا يقتصر على السؤال ‏عنه أو زيارته من تلامذته وإن كان هذا مطلوبا ، ولا يفعله سوى ‏القلة . ولكن البر الأكبر أن يستفيدوا بما يتعلمونه ويسعون بكل جهد ‏واخلاص لتحقيق المنفعة للمجتمع والناس .‏

وليس المقصود هنا البر بالمُعلم المتعارف عليه وهو معلم المدرسة أو ‏الجامعة أو الشيخ فقط ولكنه يمتد إلى البر بكل من علمنا في أي شأن ‏من شئون الحياة الدنيا أو الأخرة.‏‎ ‎

ويجدر بنا هنا تناول مفهوم البر حيث يذهب تفكيرنا مباشرة إلى البر ‏بالوالدين . وكأن البر قاصر على العلاقة بين الإبن أو الإبنة وبين ‏الأبوين بمعني طاعتهما والإحسان إليهما . وهذا صحيح ولكنه فهم ‏قاصر ، لأن البر مفهوم عام واسع وشامل . وجاء في موسوعة ” ‏الدرر السنية” أن البِرُّ لغة يعني الصِّدق والطَّاعة والخير والفضل. أما ‏البر اصطلاحا فهو :” فهو التوسُّع في فعل الخير، والفعل المُرضِي”. ‏ونقلت الموسوعة عن الفقيه ابن عبد البر جوانب أخرى من البر في ‏قوله في كتاب ( أداب المجالسة ) ص 112 قالوا : ” البِرُّ في ‏المساعدة، والمؤانسة، والمؤاخاة”.‏

وهناك مفهوم معتبر للبر قال به سيدنا عيسي بن مريم عليه وعلى ‏نبينا السلام ، الذي أورده القاضي والفقيه أبو الحسن الماوردي في ‏كتابه (أدب الدنيا والدين ) وجاء في صفحة 100 بالنص : روي عن ‏عيسى ابن مريم -على نبينا وعليه السلام-: (البِرُّ ثلاثة: المنطق ‏والنَّظر والصمت، فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا، ومن كان ‏نظره في غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها).‏

‏ أما المفهوم الشامل والكامل للبر والذي يغفل عنه كثير من الناس فقد ‏نزله الله سبحانه وتعالى في آية واحدة من القرآن الكريم ، فقال تعالى ‏في الآية 177 من سورة البقرة ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ‏الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ ‏وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى ‏وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى ‏الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء ‏وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) . تلك الآية ‏العظيمة منهج حياة الإلتزام به يحقق العز والحياة الكريمة في الدنيا ‏ويضمن الفوز في الآخرة .‏

Aboalaa_n@yahoo.com

شاهد أيضاً

سمير رجب يكتب.. مباحثات امريكا وايران

إذا لم تسفر المباحثات بين وفدي أمريكا وإيران والدائرة في نيويورك عن عدة نتائج محددة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *