الفكرة الملهمة تعني تدفق خاطرة مركزها عمليات الإحساس لدى الإنسان؛ فيستطيع أن يعبر عنها في صورة مقننة يثرى بها الموقف، أو القضية التي يشارك فيها، إما بصورة فردية، أو تعاونية؛ ومن ثم تحدث الأثر الفاعل منها، وهذا بالطبع يلزمه مناخ داعم؛ لنحصد كثير من الأفكار الملهمة في كافة المجالات، وهنا نقف على قناعة الفرد بذاته، وقناعة من يدير المشهد؛ حيث مقدرته على استحداث تهيئة تعزز انطلاق تلك الأفكار.
ندرك أن البيئات التعليمية الداعمة للأفكار الملهمة لها مواصفات، ينبغي الالتزام بها قدر المستطاع، وأرى أن مراعاة الجانب النفسي في مقدمة الأولويات، التي لابد أن نأخذها بعين الاعتبار، وهذا لا يتنافى مع ضرورة الدعم اللوجستي، الذي يسهم في سبر غور الجانب المعرفي؛ حيث توفير المصادر، التي تثيري هذا الجانب، وتساعد في إشباع الاحتياج، أو العوز المعرفي بمعلومات مصاغة بشكل صحيح.
نثق في أنه كلما كان هناك اهتمامًا خاصًا بمقومات البيئة التعليمية في صورتها الكلية، مثل الاختيار القائم على فلسفة واضحة، لكل من الاستراتيجيات، والمعينات، والأنشطة، وآليات التقييم الذاتي، والتقويم الشامل؛ كلما توافرت فرص الاتيان بالأفكار الملهمة من قبل المتعلم، وهذا يعني أن المعلم يستثمر طاقات المتعلمين، باحترافية العطاء، التي يتمخض عنها ممارسات، تحفز إفراز الأفكار في صورتها الملهمة.
إن الأفكار الملهمة في البيئة التعليمية، تقوم على مرتكزات يُعني بها المعلم صاحب المهارات المتفردة؛ حيث يعمل بصورة مقصودة، على أن يكون كل متعلم في الصف الدراسي قادرا على تكوين علاقات وطيدة مع أقرانه، من خلال انغماسه في مهام تشاركية، وهنا يراعي عند توزيع أفراد مجموعات العمل الفصلي، أن تتبادل الأدوار، وأن يمر كل متعلم على محطات علمية، وأن يتعاون المتعلم مع جميع المتعلمين، بصورة منظمة ومتتابعة.
نعي أن ثمرة المشاركات الصفية بين المتعلمين، تؤكد صورة المحبة، والاحترام، والتقدير، وتعضد العلاقات بين كافة الزملاء، وهذا يوفر ما نطلق عليه الاستعداد والجاهزية، ليس لتلقي الخبرات فقط، بل بالتفكر والتفكير في مكنونها؛ ومن ثم نتوقع أن تنهمر الأفكار الملهمة، التي من شأنها أن تغير المناخ الفصلي الراكد؛ لتجعله ثري بأفكار متجددة، تسهم في تكوين وتنمية مهارات التفكير العليا، ناهيك عن غذاء وجدان بالعديد من القيم النبيلة، التي يصعب حصرها.
وتعزيز ماهية التقبل بين المتعلمين، خلال أداء مهام الأنشطة، من الأمور التي لا يجب تجاهلها؛ ومن ثم يراعي المعلم غرس قيم الحوار والمناقشة، فيما بينهم، عند تناول قضية، أو مشكلة تعليمية، وهذا بالطبع يحفظ على المتعلم كرامته، ويصون حقوقه، ويصقل لديه تقديره لذاته وللآخرين؛ لذا لا تراه يتعدى على حقوق الغير، وهنا نرصد مناخًا تعليميًا، يقوم على التسامح والرضا، وهو ما يعطي الفرصة للأفكار الملهمة أن تخرج للضياء، ويتم التعامل معها باهتمام، بل وتصاغ في صورتها الوظيفية.
وثمة ضابطًا يتوجب مراعاته، إذا ما أردنا أن نخوض غمار سباق الأفكار الملهمة، في بيئاتنا التعليمية المتنوعة والمتعددة؛ حيث عامل الوقت؛ كي لا نقع في براثن مضيعة وهدر الوقت، وهنا يحرص المعلم عند صياغته لأنشطة التعلم، على تبني خريطة زمنية مرنة، تجعل المتعلم يتحمل المسئولية، وتسمح له بأن يؤدي ما عليه من مهام، بل ويطرح ما يرد على خلده، أو ذهنه بصورة منظمة تقوم على التدوين، وتدوير الأفكار، حتى يصل إلى ماهية، أو صورة الفكرة الملهمة، التي تلقى في نفسه ولدى الآخرين، صدى وقبول.
زرع الدأب والمثابرة في سبيل تحقيق الغاية، والتطلع لمزيد من حصد النتائج، والتعزيز المتنوع والمستدام، والتغذية التي تعمل على تقويم مناط الخبرة، وشغف التعلم الذي يقوم على فلسفة تعميق المعارف، وتعضيد الخبرات، كل ذلك يمكن أن يساعد في قدح الأذهان؛ ومن ثم يساعد في خروج الأفكار الملهمة، من عقول متقدة، يكسوها محبة بلوغ الغاية، التي تكمن في تحقيق نجاح تلو آخر.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر