بينما كانت المقاومة الفلسطينية تشتم وتهان رسميا في رام الله، كان أبطالها ينفذون سلسلة من الكمائن المركبة ضد قوات الاحتلال في غزة عرفت بـ (كمائن كسر السيف)، ويلحقون خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف العدو، ويشعلون الصراع من جديد داخل إسرائيل حول جدوى الحرب المستمرة لأكثر من عام ونصف العام دون حسم، ودون تحقيق الأهداف التي حددها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو؛ فلم تسترد الأسرى بالضغط العسكري، ولم تدمر حماس وتكسر إرادة أهل غزة الصامدين رغم جرائم الإبادة الجماعية.
في هذه الكمائن أظهرت المقاومة مستوى عاليا من التخطيط والتنفيذ والتنسيق الميداني، وأثبتت قدرتها على استنزاف قوات الاحتلال وإيلامها في شمال القطاع (بيت حانون) وفي الوسط (مدينة غزة) وفي الجنوب (مدينة رفح) التي تم إحكام الحصار عليها، ونجحت في عرقلة تقدم العمليات البرية، وهزت ثقة القوات في القيادة العسكرية.
وجاءت ضربات الكمائن الموثقة بمقاطع فيديو بمثابة لطمة مذلة على وجه الاحتلال، حيث سقط فيها عدد من الضباط والجنود بين قتيل وجريح، ودمرت دبابات ومركبات عسكرية متطورة، وهي أول خسائر إسرائيلية معلنة منذ استئناف قوات الاحتلال عدوانها وخرق اتفاق الهدنة في 19 مارس الماضي، وبعد أن كانت المهمة الأولى لجنود الاحتلال هي البحث عن الأنفاق لتدميرها صار لديهم خوف مرضي (فوبيا) من الأنفاق والموت الذي يختبئ فيها.
وشاءت حكمة الله تعالى أن تأتي معارك الكمائن في توقيت مهم لترفع الروح المعنوية للشعب الفلسطيني وتدعم صموده وإيمانه بجدوى المقاومة في أعقاب التهجم الرسمي المهين الذي اتسم بالخفة والسطحية، متصورا بسذاجة مفرطة أن الإسراع بتسليم الأسير الأمريكي سوف يوقف الحرب، بينما يعلن نتنياهو وزمرته، وحتى زعيم المعارضة يائير لابيد، أنهم يريدون عقد صفقة لاستعادة الرهائن ثم بعد ذلك يمكنهم الانقضاض على غزة ثانية للقضاء على المقاومة وتنفيذ خطة الرئيس الأمريكي بتهجير أهلها وتحويلها إلى (ريفييرا الشرق).
وإذا كان تاريخ الإنسانية الطويل يثبت أن الاحتلال هو سبب المقاومة فإن هناك ـ للأسف ـ من أقنعته الدعاية الإسرائيلية المضللة بأن المقاومة هي سبب الاحتلال، وأن المجني عليه هو من يلام ويدان، لأنه يدافع عن نفسه فيعطى العدو ذريعة لقتله وتشريده، مع أن العدو يقتل ويدمر هنا وهناك دون حاجة إلى ذرائع.
وقد أكدت حرب الكمائن قدرة المقاومة على التحرك خلف خطوط العدو من خلال شبكة الأنفاق العميقة والمعقدة، وعلى تطوير أسلحة محلية الصنع وأساليب قتالية جديدة، وأكدت أيضا أن مرحلة الكمون لم تكن استكانة واستسلاما، وإنما كانت إعدادا لضربات موجعة تشكل تهديدا إستراتيجيا حقيقيا لجيش الاحتلال، وهو ما رصدته وسائل إعلام إسرائيلية ذكرت أن حرب الكمائن كشفت عن ثغرات في المنطقة العازلة المفترض أنها مؤمنة، وجسدت تكتيكات حماس الفتاكة التي تعتمد على إطلاق قذائف مضادة للدروع وعبوات ناسفة محلية الصنع والانسحاب الآمن عبر الأنفاق، الأمر الذي يجعل هزيمة حماس واستعادة الرهائن عن طريق الضغط العسكري هدفا مستحيلا.
ومن الطبيعي أن تكون لحرب الكمائن (المفزعة) تداعيات سلبية على الداخل الإسرائيلي، فقد أدت إلى اتساع الخلافات بين السياسيين والعسكريين، وعمقت الانقسامات داخل الائتلاف الحاكم، وعلت نبرة فقدان الثقة في الجيش وفي قدرته على الحسم أمام صمود المقاومة، وارتفعت تحذيرات من استنزاف القوات بينما يعاني الجيش من نقص في المقاتلين بسبب رفض جنود الاحتياط الالتحاق بالخدمة، وزادت الضغوط الواقعة على الحكومة وعلى نتنياهو شخصيا من أهالي الأسرى وأنصارهم الذين يطالبون بإنجاز اتفاق ينهي الحرب ويعيد إليهم أبناءهم في أقرب وقت.
وتشير تقارير صحفية إسرائيلية متواترة إلى أن حرب الكمائن تسببت في تآكل الروح المعنوية للإسرائيليين لشعورهم بعدم الأمان، وأضعفت موقف حكومتهم دوليا، وأوقفت الأعمال في مستوطنات غلاف غزة التي صارت تعاني من شلل اقتصادي بسبب الخوف من الكمائن والهجمات الصاروخية المصاحبة، ورفعت معدلات الهجرة العكسية إلى الخارج، خاصة من جانب الشباب والمهنيين الذين يعبرون عن حساسية مفرطة إزاء عدم الاستقرار مادامت المقاومة قادرة على مواصلة الحرب ونصب الكمائن على عكس ما تشيع بيانات الحكومة وقادة الجيش.
وفي هذا الصدد نشرت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية مقالا للكاتب ناحوم برنياع بعنوان: “ماذا نفعل بالضبط في غزة؟!”، استشهد فيه بتقرير للواء المتقاعد يوآف هار إيفن يتهم الجيش بالفشل والكذب، ويشير إلى التناقض بين رؤية رئيس الأركان الذي يركز على الضغط على حماس دون أهداف طويلة الأمد ورؤية نتنياهو الطموحة لاحتلال القطاع وخلق واقع جديد يسمح بالتهجير والاستيطان.
ونشر آفي أشكنازي مراسل صحيفة (معاريف) تقريرا أكد فيه أن “تفكيك حماس صار هدفا غير واقعي، فمازالت الحركة تحتفظ بقدرات قتالية قوية وتستخدم شبكة أنفاق معقدة، بينما يتجنب الجيش توغلاً واسعاً خوفا على حياة الأسرى، أما فكرة تطهير الأنفاق فصارت أشبه بمحاولة تفريغ البحر بملعقة”.
ويرى ألوف بين رئيس تحرير (ها آرتس) أن “إسرائيل بعيدة عن هزيمة حماس رغم الحصار والدمار والمجازر، ونتنياهو عالق في طموحاته الشخصية، ويحاول تقديم نفسه كـ (تشرشل الإسرائيلي) في رواية بطولية غير واقعية، بينما ينفجر الاستياء الشعبي، ويتزايد التهرب من التجنيد، ويتآكل الدعم الداخلي لحرب يراها كثيرون فاشلة في تحقيق أهدافها”.










