بلغت الثرثره مبلغا عظيما في الحاره، ثرثره بدون طائل ولافائده ، وساعد في إثراء الثرثره وجود التلفاز في كل بيت من بيوت الحاره ، ومن حينها تحولت الثرثره الي جدال عظيم بين أبناء الحاره في مواضيع لاتخصهم ولايجنون من وراءها سوي قبض الريح ، ولكن أحدهم شذ عنهم وقرر الصمت وعدم مناقشه اي قضايا سفسطائيه ، يقابله أحدهم فيتكلم معه طويلا ثم يطلب رأيه فيكتفي “الصامت دوما” بتحريك رأسه ذات اليمن وذات الشمال مرات ومرات معلنا ان لا رأي له فيما يقول، يفعل هذا مع كل ابناء الحاره، أغتاظ الجميع من صمته وقله تفاعله ومبادلتهم الثرثره بالثرثره.
لم يُطق ذويه وجود” الصامت دوما “بينهم فعقدوا العزم علي تدبير مكيده له تقصيه عن الحاره الي الابد ، وبعد شهور من المتابعه والمراقبه لم يمسكوا عليه شئ يدينه حتي جاء اليوم الموعود.
الصامت دوما هو أول من اقتني الموبايل ذات سماعات الاذنين في الحاره( البلوتوس) السماعات كانت من الصغر ألا يلحظها احد تخترق فتحتي الأذن فلايظهر منها شيئا وطبعا لايوجد بها ثمه اسلاك تمتد الي الموبايل فيكتشف الرائي ان صاحب السماعات يتحدث الي احد ، من سوء حظ صاحبنا صاحب السماعات الحديثه ان المهاتفات كانت لاتأتيه من عمله أومن الاقارب سوي عندما يدلف من باب الحاره راجعا الي بيته ، يحتدم النقاش بينه وبين أحد اصدقائه في العمل فيشيح بيده معبرا عما يقول من سعاده اوحزن ، يضحك تاره ويتكلم بعنف تاره اخري حتي بدي امام اهل الحاره انه يتكلم مع نفسه ، وجود الموبايل معه والسماعات كانت نقمه عليه ، كلما استقبل مكالمه رفع صوته واشاح بيده وهو يتوقف مره ويسير اخري ، حتي اجتمع اهل الحاره علي نعته بالجنون ، ونتيجه تواتر البلاغات عنه تنعته بالجنون ، استجابت السرايا الصفراء لكلام اهل الحاره فأرسلت سياره المستشفي الي بيته الكائن في مكان ما بالحاره تنزعه من بين يدي امه واخواته وتنزله ضيفا لوقت قصير علي السرايا الصفراء ، هكذا وعد احد الممرضين ذات اللباس الابيض امه المكلومه بعدما تكاثرت البلاغات ضده تنعته بالمرض النفسي .
انتقم اهل الحاره من” لصامت دوما” وردوا له الصاع صاعين ، هو امسك عن الحديث معهم وهم امسكوا عن زيارته في مستشفي الامراض النفسيه، الوحيده التي كانت تؤازره وتقف بجانبه هي امه التي كانت تزوره اسبوعيا وتحمل اليه من الطعام مالذ وطاب ، في كل مره كانت تحمل له امه طعاما ، كان يدعوا النزلاء معه الي الطعام فيجلسون في وسط العنبر يتلذذون في صمت بتناول أطعمه الأم لذيذه المذاق ، الغريب في الامر ان بعد كل زياره ، كانت الام تعود الي الحاره مبتسمه ، يكفيها هي فقط ان يكون ابنها في كامل قواه العقليه ولايهمها في ذالك حكم الناس خاصه بعدما قام به الابن من اطعام اصدقائه في العنبر وتبادل معها حديث حسن يبرهن انه اعقل العقلاء ، في احدي المرات قبل الزياره طلبت من الاطباء المعنين بحاله ابنها مراقبته اثناء طقوس الزياره ، بعد المراقبه والتأكد ان سلوكه لايختلف عن سلوك العقلاء قرر الاطباء اطلاق سراحه من عنبر السرايا الصفراء بعدما تأكدوا انه في كامل قواه العقليه ، كانت الام سعيده ايما سعاده بعوده ابنها الي بيته في الحاره ولكن في طريق العوده أدركت الأم أن الابن ليس سعيدا بالرجوع الي بيته فسألته :
-لما لا أري علي وجهك الابتهاج يابني؟
-اكره الثرثره يا امي كما ان التلصص علي احوال الغير شيئ مقزز بالنسبه لي ، ولقد رأيت في عنبر المجانين مالم أجده في الحاره من سكينه ؟
-لذا يابني أنصحك بتعلم الثرثره حتي لاتُلفظ من الحاره مره اخري!!.
إستجاب الابن لنصيحه امه وكسب ود أهل الحاره، اما نفسه فصار يبحث عنها فقد فقدها بعدما صار طليق خارج اسوار السرايا الصفراء.










