عمرًا عشناه ونحن نسمع عن الديمقراطية الأمريكية، وحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان والحيوان فيها، وما خلق الله من طيرٍ وهوام، ورضعنا ذلك وفُطِمنا عليه. وجاءت كلُّ وسائل الإعلام من داخل أمريكا على تنوعها وتعددها لتصدق ذلك وتؤكده، وتبتعها في ذلك دورُ النشر ومواقع الأخبار والتواصل وغيرها لتثبيت حقيقة لا لبس فيها ألا وهي رسوخ الديمقراطية الأمريكية، وأن الكل أمامها سواء دون استثناء لأحد، وإن كان رئيس الدولة نفسه، وهو ما نراه فعلًا وواقعًا، حتى رحنا نعض أناملنا غيظًا وكمدًا ولسانُ حالنا: ماذا ينقصنا حتى نصبح كهؤلاء؟! سؤال لم أجد له إجابة سوى أن الأمر لم يأتِ صدفة أو أنه وليد لحظةٍ وقرارٍ وإنما هو نتاجُ عمل دؤوب لعقودٍ من الزمان، عمل لم تفتر عن إنجازه كلُّ طوائف المجتمع دون مللٍ منها أو كلل، عمل كانوا فيه جميعًا بالمرصاد لكل مَن تسول له نفسه خروجًا عليه كائنًا مَن كان، كل ذلك جعل منها رأسًا في ذلك، وأيقونةً في العالم بأسره يُشار إليها بالبنان. وبعد أن بات ذلك راسخًا لديها داخليًّا ورضعته جميعُ طوائف شعبها وتوارثته الأجيال، جيلًا بعد آخر، وباتوا جميعًا حراسًا عليه، وبات ذلك معلومًا بالضرورة لشعوب الأرض جميعًا تشرئب نفوسهم إلى مثله، وتطمح إليه، لم تكتف أمريكا بذلك وإنما أعطت لنفسها الحق في إصدار تقارير عن حال الديمقراطية في جميع بلدان العالم دون أن يكون لغيرها الحق في تقييمها، كيف ذاك وهي المعلمُ الأول فيها والأستاذ؟!
وبناء على ما سبق، وما ترسّخ لدى شعوب الأرض انطلقت أمريكا في طول الأرض وعرضها؛ إذ باتت ديمقراطيتها تلك أخطر اسلحتها وعصاها السحرية، ورأس حربة قوتها الناعمة التي ينفذون بها إلى الدول لبلوغ مرادها وتحقيق مصالحها الإستراتيجية فيها، وباتت من جانب آخر سيفًا مسلطًا يتهددون به كل مناوئ لها، سيفًا يحميه ويحوطه ليس أمريكا وحسب وإنما شعوب تلك الدول، والتي ترسّخ لديها شعورُ الإعجاب، وتملكها الإبهار بديمقراطية أمريكا، رأس العدالة واحترام الحريات وحقوق الإنسان. وهنا أذكر أنني عندما عرضت لقسوة وشراسة فرنسا الرسمية مع كريم بنزيما عندما أعلن عن تضامنه مع أهل غزة حدّ اتهام وزير داخليتها له بعلاقته بالإخوان، بل طالبت نائبة البرلمان فاليري بوايي بسحب جنسيته الفرنسية وكرته الذهبية وكل جوائزه منه، واتهمته وقتها بإهانة وخيانة فرنسا، وفعلًا حل في المرتبة (16) في تصنيف الكرة الذهبية لعام (23)، وهو الفائز بها (22)، حتى علّق لي أخٌ فاضلٌ قائلًا: لا تنس بأن لديهم عدالة وقانونًا. بهذه القناعة التي وصلنا إليها نحن تتوغل وتتغول أمريكا، وكذلك الغرب في بلدان العالم، وظهورهم مؤمّنة تمامًا؛ فأي رفضٍ لفعلها فينا يُجابه ليس بزعمها تطبيق ديمقراطيتها المبهرة فينا وإنما تردعنا حتى قناعتنا نحن عنها، ورؤيتنا لها واقعًا لديهم، لا تنس أن لديهم عدالة وقانونًا. وكأننا نمنّي أنفسنا بحالٍ وواقعٍ يشبه حالهم المبهر، وواقعهم الفاضل، وبات حالنا كحالِ جائع يمنّي نفسه بسوقٍ ملأى بشتى صنوف الطعام.
وخُدعنا برخاء الديمقراطية!
هذا ما أراه؛ فالديمقراطية التي يريدونها لنا ويُزيّنونها لا تبني ولا تُعمّر وإنما تدمّر وتخرّب؛ فكم من دمارٍ ودماء جرت باسمها وبحثًا عنها في بلداننا، ومع ذلك لم تتحقق، ولم يُحققها ولم يُوجدْها أو حتى يُطبّقها مُدّعوها ومَنْ أرادوها لنا، والأدلة حولنا كثيرة غير خافية. أما الديمقراطية التي تراها في الدول التي تَشْرئِبّ إليها عنقُك وتطمح إليها نفسُك وتُبْهرك ببريقها اللامع إنما يُصدّرون لك ظاهرها وابتسامتها الخادعة وحسبْ، حتى تلك الديمقراطية كما تراها أنت إنما هي مزعومة ومصطنعة وتُخفي وراءها ديكتاتورية قاسية واستبدادًا بعيدًا، ولا عجب في ذلك فهذه الديمقراطية حتى تتحقق لا بدّ وأن يكون لها ضامنٌ يتمثل في ديكتاتورية قوية يضمن تحقيقها إذا ما انتُهكت، قد يتمثل هذا الضامن في أيّ صورةٍ كان، المهم أنه موجود؛ قد يكون مثالًا الدستور والقانون الصارم الذي يُطبّق على الجميع، حتى هذا الدستور والقانون لا بدّ لهما من ديكتاتور أكثر صرامة وقوة حتى يتمكن من تطبيقهما إذا ما شذّ شخصٌ ما أو جماعة بدعوى الديمقراطية عنهما، أو عن الإطار العام للأمن القومي لتلك الدول الديمقراطية، كما يصورونها ويصدّرونها لنا وتراها أنت؛ عندئذ سترى هذا الديكتاتور وذاك المستبد شخصًا آخر أكثر عنفًا، ويفعل ما لا تتخيله حتى يضمن هيبة ووحدة وأمن دولته التي تبهرك وتهفو إليها نفسك، وإن لم يفعل ذلك ضاعت دولته باسم الديمقراطية، ولك في أحداث Time Square، وحديث ديفيد كاميرون، وقت أن كان رئيسًا لوزراء بريطانيا، عن حقوق الإنسان وأمن بلده، فضلًا عما نراه اليوم من قمعٍ لحرية التعبير المناهضة لجرائم إسرائيل في كلٍّ من أمريكا، والغرب جملةً، حدّ وقف أمريكا تمويل بعض جامعاتها بدعوى معاداتها للسامية، وعزمها ترحيل البعض من أراضيها بالحجة ذاتها، كل ذلك وغيره كثيرٌ خير أمثلةٍ على ذلك.
وعليه؛ فإن كل الدول والحضارات والإمبراطوريات والمعاني القوية عبر التاريخ وفي أي جغرافيا كان وراءها ديكتاتور قوي وصارم، وإذا ما وُجدت ديمقراطية ولو شكلًا فيها فإنما يكفلها ويضمنها ذلك الديكتاتور، ومن هنا ربما جاءت فكرة المركب ذات الرئيسين تغرق؛ فالقبطان حتى ينجو بسفينته لابد وأن يكون مستبدًا، وإن سمح بالحوار والنقاش وأخْذِ الآراء، إلا أن الرأي الأخير والقاطع سيكون له وحده، ولو كانت غير ذلك لربما غرقت بهم جميعًا، وضاعت في ظل الديمقراطية، وعدم التوافق على رأي باتٍّ وقاطع والأخذ والرد، وكل شخص يرى في رأيه الصحة والصواب.
والمرء منا حين يدفع نفسه ويرغمها على الصلاح، ويكبح جماحها وشهواتها ورغباتها فهو عندئذ مستبد، ولو تركها لرغباتها بدعوى الديمقراطية لهوت به في نار جهنم. والأسرة القوية المتماسكة المحصّنة من أية أمراض سلوكية وغيرها بين أفرادها، وفي ترابطٍ وفي تفوق وتألق فكري وعلمي وأخلاقي لا بدّ وأن يكون وراءها ربُّ أسرة ديكتاتور، ولو وُجدت ديمقراطية في تلك الأسرة بين أفرادها، ولو شكلًا، فإنما يرعاها في نهاية المطاف ذلك المستبد الذي يحسم الأمر؛ بما يحقق مصلحتهم جميعًا. هكذا كان الآباء والأجداد وكبار العائلات الذين يُرجع إليهم لحسم مثل تلك الأمور الخلافية، وليس بعد رأيه رأي، فكانوا يحافظون على عوائلهم وتبقى في منعةٍ وقوة ورخاء اقتصادي بفضل ذلك المستبد الأوحد، ولو تُرك الأمر ديمقراطيًّا لصارت فوضى، وذهب كلٌّ منهم وِجهته وركب رأسه، ولما توصلوا لرأي واحد يتفقون عليه جميعًا في قضيةٍ ما عندئذٍ ضاعت الأسرة وضاع معها أفرادها، وفي حياتنا نماذج لذلك.
والقائد في ميدان القتال عندما يُصدر أمرًا لجنوده، ولا يجرؤ أحدهم على مراجعته ونقاشه إنما هو مستبد وعلى الجميع الامتثال لذلك الأمر -وإن كان خطأً- بل إن الإسلام ليبيح له قتل المعترض عليه الرافض للقتال حتى لا تصبح فتنة وينهزم الجمع.
إذن، فالديكتاتورية بمعناها الحميد كما أرى تبني وتُجمّع وتحافظ وتُخشَى وتُهاب وتنتصر وتنجو، ولها رؤية واضحة وهدف محدد، حتى وإنْ كانت لها ضحاياها وكُلْفتها. ومثل هذه الديكتاتورية لا يريدونها لنا ويصورونها لنا شيطانًا رجميًا. مثال: الديكتاتورية العراقية في ظل صدام، كما ألحّ البعض في تصويره لنا؛ ففي ظلها عاشت بغداد وأهلها في رغَدٍ من أمرهم، وترفٍ في عيشهم، وأبّهةٍ ورفاهيةٍ في حياتهم، تلك الرفاهية وذلك النعيم نال منه شيئًا بعض إخوانُهم وأشقائهم من العرب الذين نزلوا عليهم أعزّاء كرماء بحثًا عن حياة أفضل، وتطويرًا لذواتهم ورخائهم اقتصاديا في بلدانهم، وهو ما تمّ لهم فعلًا، وليسأل كلٌّ منا نفسه عن ذلك سيجد في حياته الكثيرين مِمَّن نهل من فضلها، إنْ لم يكن هو نفسه شاهدًا على ذلك،
في ظل تلك الديكتاتورية كان العراق قوة عسكرية ضاربةً مصنّفة عالمية يُخشى جانبها، وكانت أقل حركة في بغداد تُحدث ضجيجًا في الدنيا كلها. وفي ظلها كان العراق موحدًا، كتلة واحدة، لم يستطع أحد النيل منه، أو مسّ حبّة ترابٍ واحدة من أرضه. وفي ظلها كان دخل المواطن العراقي من أعلى الدخول عالميًّا. وفي ظلها كان العراقيون -على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم ومشاربهم- يعيشون في سلام تام، ولا يجرؤ كائنٌ مَن كان أن يشذّ عن القاعدة، وفي ظلها كان العمران والبناء والعلم والعلماء في كل فنّ ومجال، وفي ظلها كان العراق ميدانا رحيبًا خصيبًا للباحثين والساعين في الأرض عن لقمة عيشٍ هنيئةٍ. وفي ظلها كانت بغداد، وما أدراك ما بغداد، كانت الحياة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، وفي ظلها كان وكان، وهو ما لا يرويدونه لنا؛ لذا صوروها لنا أفعى بغيضة تنهش فينا، وعلينا أن نتصدى لها وأن نسقطها حتى نحقق حريّتنا بفضل الديمقراطية كما أرادوها لنا لا كما نريد، وقد تمّ لهم ما أرادوه لنا، والواقع يشهد.
أما الديمقراطية التي نريدها وننشدها فعلًا، ولا يريدونها لنا إنما هي في خيالنا وأحلامنا وحسبْ؛ مثل تلك الديمقراطية هي التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمره بها ربّه بالشورى بين أصحابه لصالح المسلمين جميعًا، مثل تلك الديمقراطية أضحت في أيامنا هذه سرابًا، لا لعيبٍ فيها وإنما فينا نحن، لكن يبقى في النهاية إذا قضى صلى الله عليه وسلم أمرًا ما كان لهم عندئذٍ الخيرة من أمرهم، وعليهم الامتثال والسمع والطاعة، لا أقول استبدادًا ولكنْ وحيٌ من السماء فيه الخير والصلاح لهم جميعًا ” وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى “.
وأيّ فرصة!
نعم، أمريكا بلد الفرص لكنها لن تمنحك هذه الفرصة إلا إذا كنت أمريكيًّا أولًا تحت قَسمٍ رسمي، ثم لن يمكنك أن تستغل تلك الفرصة لصالح غيرها وأن تُدير لها ظهرك حتى وإن كانت أمك التي ولدتك فإنك عندئذ من الهالكين. كامالا هاريس نائبة الرئيس بايدن أصولها هندية، ورقصت بلدتها الهندية يوم فوزها، فهل تُراها ستضع مقدرات أمريكا لصالح هندها؟! جون أبي زيد قائد القيادة المركزية الأمريكية وذو الأصل اللبناني ماذا صنع للبنان؟! بل كان قائدًا لعمليات أمريكا لجواره العربي العراق. علماء أمريكا من غير أصولها ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من علمٍ في مختلف المجالات ونالوا أرفع الشهادات والجوائز باسمها إنما هم لها دون غيرها، دون أن تنال أصولهم شيئًا من علمهم وإلا حُرموا من كل شيء وجُرّدوا منه. وهكذا مع كل مَن منحته أمريكا فرصة فهو لها وحسب، وإلا.










