بين فينةٍ وأخرى تخرج علينا مقارناتٌ قد تبدو ظالمةً وقاسيةً في طرحها؛ فقد يخرج علينا –على سبيل المثال- مَن يُقارن بين صورتين؛ أحدهما لذَكَرٍ يهزُّ وسطه، ويتلوّى، وقد اتخذ في سبيل ذلك عُدته تحزّمًا وتمنطقًا، وهو في حالةِ اندماجٍ ونشوةٍ في مناسباتٍ لنا، لا غيرنا، مستنكرًا كيف وصل بنا الحال إلى ذلك الدّرك المنكر بعد أن كانت المرأة المسلمة تُعدّ ابنها إعدادَ الرجال لتحرير الأقصى، ونشر الدعوة. وهنا تبرز الصورة المقابلة لطفلٍ لم يتعدّ سِنُّه أصابعَ اليد الواحدة، وهو يرتدي عمامة الرأس، ويتنمطق بالسيف. نعم، أن يتحزّم ذكرٌ بالغٌ ليهزّ ما لا يليق به، ولا حتى بغيره، أمرٌ بالفعل مقزّزٌ ومنفرٌ، وأن المرأة عندما تتعهّد ابنها بالرعاية والاهتمام والجدية منذ صغره ليشبَّ رجلًا لأمرٌ يُحمد، لكن دون أن تكون صورة ذكر يرقص في مقابل طفل يحمل سيفًا؛ فإنها –إذن- قسمةٌ ضِيزَى، ومقارنة ظالمة، لعمري؛ فكلاهما منفِّرٌ، وبغيضٌ، ومآلُه وخيمٌ، وشرُّه وبيلٌ، كلاهما نرفضُه، ونلفظُه، ولا نريدُه.
فليس بالسيف –إذن- والشدة المفرطة حدّ الغلظة، والجِديّة البعيدة حدّ التجهّم، وغيرها من معانٍ بلغت حدّ التطرف تحملُها تلك الصورة، والتي يُلحّ البعضُ في تصديرها أحيانًا. وإنما لزم مراعاة أن يعيش الطفل سِنّه، وأن يستشعر جمال الحياة وبهجتها التي منحها الله لها، وخلقها عليها، دون إفراطٍ أو تفريطٍ، ” قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ “.
فعندما يُربَّى الطفل على أن يكون قريبًا من ربّه صالحًا نافعًا لنفسِه وأهلِه ومجتمعِه وأمته، وأن يكون رأسًا بين أقرانِه في أيّ شيء يُقدِمُ عليه، وأيّ عملٍ يعمله، وأيّة مهنةٍ يمتهنها؛ عندئذ سينصلح حالنا جميعًا، ويكون لدينا جيلٌ واعٍ وجادّ، رضع الرجولة، وتربّى ونشأ عليها؛ عندئذٍ لا تخشى عليه أيّة ريحٍ عاصفةٍ بعدُ، عندئذ تزول الجبالُ وقلبُه لا يزول. عندما يُربّى الطفل بقلبٍ وعقلٍ معًا، وتوازن بينهما فلا يبغي أحدهما على الآخر؛ فإنه عندئذ سيشبّ صالحًا مصلحًا نافعًا لنفسه وغيره، بارًّا بمَن حوله، عندئذٍ سيحرّر ليس الأقصى –وحسب- وإنما كلّ ما لزمه تحريره، وقد فسد وأصابه العطبُ، فكرًا وإنسانًا.
فحُسنُ تنشئة الطفل، وتعهّده بالرعاية والاهتمام والاحتواء هي مفتاحُ كلّ خير نرجوه ليس له فحسب، وإنما لأمتنا دون جورٍ على إنسانيته، وكلّ مرحلة يمرّ بها؛ عندئذٍ سيتحقق منه مرادُ الله من خلقِه، عبادةً له سبحانه، وعمارةً لأرضِه.










