شهدت كلية التربية الفنية بجامعة واسط مناقشة رسالة علمية رصينة للباحثة أسيل مجيد فليح، بإشراف ومناقشة ، أ.د. حبيب ظاهر حبيب، مع لجنة مناقشة تكونت من ا.د حسين علي هارف، ا.د فاضل عزام،ا.د سعد فاخر .
استعرضت فيها المقومات الدرامية لفن الحكواتي، متخذة من “مهرجان شهاب الدولي لفن الحكواتي نموذجا” (بغداد 2024) نموذجاً تطبيقياً. تميزت الدراسة بالربط المنهجي بين الجذور التراثية والتوظيف المسرحي المعاصر.
يُعد مهرجان شهاب الدولي لفن الحكاية من المبادرات الثقافية المعاصرة التي أسهمت في إبراز فن الحكواتي بوصفه شكلًا سرديًا أدائيًا حاضرًا في المشهد المسرحي العربي والدولي. وقد أُقيمت الدورة الأولى للمهرجان في بغداد عام 2024، بتنظيم مؤسسة الهدى لثقافة الأطفال والناشئين وبالتعاون مع دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة، وبإشراف المخرج المسرحي حسين علي صالح والشاعر جليل خزعل. واستمرت فعاليات المهرجان لمدة ثلاثة أيام، من 20 إلى 23 شباط ( فبراير)، واحتضنتها قاعة مسرح الرشيد في العاصمة بغداد. ويمثّل مهرجان شهاب، بوصفه أول مهرجان دولي متخصص بفن الحكاية في العراق، تجربة ثقافية ومسرحية مهمة أسهمت في إعادة الاعتبار لفن الحكواتي، ووفّرت فضاءً أدائيًا معاصرًا لتجلياته المتنوعة، الأمر الذي يجعله نموذجًا دالًا على حضور هذا الفن في السياق المسرحي الحديث، وتمهيدًا مناسبًا للانتقال إلى الجوانب الإجرائية والتحليلية في الدراسة الحالي.
إن هذا البحث دراسة شاملة لأبرز العناصر الدرامية التي يقوم عليها هذا الفن، وقد قسمت البحث على اربعة فصول رئيسية:
الفصل الأول: (الإطار المنهجي) طرحت مشكلة البحث من خلال التساؤل: (ماهي المقومات الدرامية لفن الحكواتي الموجه الى الاطفال) ؟، وحُدَّدَ هدف البحث المتمثل ب (تعرف المقومات الدرامية لفن الحكواتي الموجه للأطفال).
اما الفصل الثاني:(الإطار النظري)، فقد ضَمَّ ثلاثة مباحث رئيسة: الأول ميول الأطفال الحكائية، الثاني الصورة التاريخية والتراثية للحكواتي، الثالث: توظيف الحكواتي في الدراما المسرحية، وانتهى هذا الفصل الى مجموعة من مؤشرات النظرية، فضلاً عن مراجعة الدراسات السابقة ذات الصلة.
في الفصل الثالث:(إجراءات البحث)، حدَّدتُ مجتمع البحث بعروض مهرجان شهاب الدولي لفن الحكواتي في دورته الأولى، واخترتُ خمس حكايات قصديا؛ لتكون عينة التحليل، واعتمدتُ أداة (الاستبانة) في التحليل، وعرضتها على مجموعة من الخبراء المتخصصين للتأكد من وصلاحيتها.
إن الدراسة تسفر عن مؤشرات هامة لابد من وضعها في الاعتبار للتعرف على أهمية فن الحكواتي وسعيا نحو الإبقاء عليه وتنميته وتطويره تقنيات استخدامه في مسرح الأطفال وسر إقبال الأطفال عليه على امتداد تاريخه ولقد حصرتها الباحثة في النقاط التالية :
1- تتكون الحكاية من أنواع مختلفة حسب وظائفها ومصادرها، ومنها ( الحكاية الشعبية، والحكاية الواقعية، والحكاية الرمزية، والحكاية الخيالية، والحكاية التراثية.
2- يميل الأطفال فطريا إلى الاستماع للحكايات، لذلك يجب أن تكون هناك عناية في اختيار حكايات الأطفال فيجب ان تكون ممتعة وجذابة، ولا تكتفي في الامتاع بل تحمل في مضمونها معلومات تُسهِم في تثقيف الطفل.
3- نظرا لحبّ الأطفال وميولهم إلى القصص والحكايات، لما تحتويهِ من عناصر خيالية ترتبط بعالمهم الداخلي بصورة غير مباشرة، تعتبر الحكاية وسيلة ترفيهية ونشاط محفز إلى خيال الطفل ومطور قدراته الابتكارية والابداعية.
4- يسهم توظيف الحكواتي (الراوي) في المسرح الملحمي في كسر الإيهام المسرحي وتعزيز عنصر التغريب من خلال التواصل الحي مع الجمهور، وهذا غير مقتصر على المسرح الملحمي بل جميع المسارح العربية والعالمية التي وظف فيها الحكواتي.
5-مواضيع الحكايات التي يتم اختياره للأطفال يتم اختيارها بعناية؛ لتحقق أهداف تربوية واجتماعية ونفسية وتعليمية وثقافية وانسانية وتحفيزية واخلاقية.
6- تتنوع شخصيات حكايات الأطفال بين بشرية، خيالية، حيوانية، ودمى/رمزية، حيث تُستخدم الشخصيات الحيوانية لإيصال قيم أخلاقية بطريقة مبسطة، والشخصيات الخارقة لدعم الشخصية الرئيسية وتعزيز الخيال، مثل الساحرة في حكاية سندريلا.
7- يستلهم الحكواتي مواضيع حكاياته من مصادر مختلفة، قد يستمدها من الواقع اليومي او من التراث الشعبي والأساطير القديمة كحكاية البسوس، أو من المغامرات والقصص البطولية او قد تكون تجربة شخصية عاشها الحكواتي، أو نقلها من حكواتيين الذين سبقوه.
8- يشكّل الحكواتي الحكاية بلغته الخاصة دون التقيّد الحرفي بألفاظ النص، ويعيد صياغتها بأسلوب ملامس لوجدان الجمهور ومتناغم مع اللحظات السردية وطبيعة المتلقين، مستفيدًا من التكرار والتشويق والسجع.
9-يوظّف الحكواتي لغة بسيطة وواضحة تناسب عمر الأطفال، مع التنويع بين العامية والفصحى، واستخدام الأساليب السردية أو الشعرية واللغة التصويرية الخيالية، بما يعزّز فهم الطفل للحكاية ويشجّعه على التفاعل اللغوي أثناء العرض.
10-إنّ الأوقات المناسبة لسرد الحكاية يحددها الحكواتي بحسب فراغ الناس من أعمالهم، وغالبا ما يكون في المساء واوقات الاستراحة وهذا ما يعرف بزمن السرد ولابد من التميز بينه وبين زمن وقوع الحكاية أي الزمن التي تجري فيه الأحداث.
11-من الادوات التي يستعملها الحكواتي في عروضه الاكسسوارات البسيطة، تخلق الجو الحكائي مثل كرسي أو منبر يجلس عليهَ الحكواتي وطاولة يضع عليه كتبه، وعصا في يده او سيف أو مسبحة حسب نوع الحكاية ومضمونها، وقد يضع أحيانا غطاءً على رأسه، وفي بعض العصور يضعون على وجوههم وأجسامهم مواد لتغيير ملامحهم.
12-مهارات الحكواتي الأدائية مشابهة إلى مهارات الممثل المسرحي، من بينها القدرة على الغناء والرقص، ومرونة جسده التي تساعده مختلف الحركات الادائية.
13-يتحكم الحكواتي في إيقاع السرد من حيث سرعة السرد واختصاره تبعا للفئة العمرية المقصودة، وتنوع في نبرات الصوت، واستعمال الايماءات الجسدية لتعميق التأثير الدرامي والانفعالي، واثارة التفاعل بين الحكواتي والمتلقي.
14- يقوم الحكواتي بعملية ربط المشاهد وتقديم خلفيات زمانية واجتماعية للشخصيات والأحداث بطريقة سلسة وسردية مما يسهم باختزال عنصري الزمان والمكان.
15- يلعب الحكواتي دورا مهما في مسرح الطفل؛ لأنه يقدم قيم تربوية وتعليمية بشكل مباشر تتناسب مع المرحلة العمرية للأطفال.
توظيف الحكواتي في المسرح
لقد شهد المسرح منذ نشأته بالحضارة الاغريقية تحولات عديدة مواكبة لتغيرات المجتمع والتيارات الحديثة، لكن على الرغم هذه التحولات وتعدّد التجارب المسرحية وتنوع أساليب الإخراج، بقي عنصر السرد حاضرا في البناء المسرحي بأشكال متعددة ومتغيرة متواكبة مع التحولات الفنية والجمالية التي طرأت على المسرح على مر العصور.
برزت شخصيات درامية جديدة من أهمها شخصية (الراوي) الذي برز بالمسرح الاغريقي بصيغة الجوقة، ثم تطورت هذه الشخصية عبر العصور واتخذت اشكالا حديثة ومتطورة، ظهرت شخصية (الحكواتي) بالمسرح بوصفها صيغةً معاصرة للراوي التقليدي، لكنها بطابع شرقي تراثي صادر من الثقافة الشعبية.
يلتقي الراوي والحكواتي في الوظيفة السردية المتمثلة في نقل الحكاية إلى المتلقي، غير أنّ لكلٍّ منهما خصوصيته داخل العرض المسرحي. فالراوي غالباً يلتزم بالنص المكتوب ويؤدي دوراً تفسيرياً وتنظيمياً؛ إذ يقدّم المعلومات، ويربط بين المشاهد، ويعلّق على الأحداث دون أن يجسّد الشخصيات تمثيلياً كاملاً. أمّا الحكواتي فهو شخصية أدائية متجذرة في التراث الشعبي، تجمع بين السرد والتجسيد والتمثيل، ويستطيع أداء أدوار متعددة مستنداً إلى مهارات صوتية وجسدية وارتجالية وتفاعل مباشر مع الجمهور، مما يمنحه طابعاً تمثيلياً حراً ومؤثراً، وتتراوح أساليب توظيف الحكواتي في المسرح الحديث بين منحه حرية الارتجال وفق روح العرض والجمهور، وبين إلزامه بالنص والإخراج كما في المسرح التقليدي، ليظل في الحالتين حلقة وصل فاعلة بين النص والمتلقي.
التطور التاريخي للراوي والحكواتي
الجوقة ..الراوي..الحكواتي
إذا ما عدنا إلى البدايات الأولى لنشوء العرض المسرحي، فأن المسرح الاغريقي يعد من أقدم أشكال المسرح المعروفة، فقد اتسّم المسرح الاغريقي منذ بداياته بالسرد المسرحي، رغم أنّ شخصية الراوي لم تظهر آنذاك بالصورة المتعارف عليها لاحقا، إذ إن الجوقة الإغريقية لها دور بارز في نشأة وتطور فن السرد المسرحي، إذ يمكن عدها أحد أقدام أشكال الحكواتي الجماعي، فقد كانت الجوقة تؤدي دور الراوي بصورة جماعيّة، ومن هذا الشكل السردي الجماعي التي أدتّه الجوقة تطورت لاحقا شخصيتان أساسّيتان في بنية المسرح: هما شخصية الراوي والحكواتي، وبذلك يعد الحكواتي الفردي صورة متطورة عن السرد الجماعي الذي مثّلته الجوقة، وظهرت الجوقة الاغريقية في القرن الخامس قبل الميلاد إنَّ أفراد الجوقة مجموعة من الأشخاص الذين كانوا ينشدون الأناشيد )الديثرامبية( وتؤدي الرقصات الجماعية تمجيد إلى الاله (ديونيسوس) وتعبيرا عن الولاء له، وقاد مجموعة افراد الجوقة شخص يعرف ب (رئيس الجوقة)، وهو المسؤول عن إعطاء التعليمات لأفراد المجموعة لتنفيذ الرقص والانشاد بشكل متناسق ومنسجم، ومن هذا الشكل نشأ الشكل المسرحي الأول الذي جمع بين الرقص والسرد والحوار، وكان للجوقة الدور الأساسي في هذا البناء الفني.
وترى الباحثة أنّ شخصية (ثيسبس) بداية لنقطة انطلاق شخصية الحكواتي المسرحي، دون أن يطلقوا عليه هذا الوصف بصورة مباشرة، فقد اعتمد (ثيسبس) على السرد الشفهي لمقاطع من أساطير (هوميروس) ومع التجسيد التمثيلي، وهذا يشبه ما يقوم بهِ الحكواتي في عروضه، عندما يجسد أجزاء من الحكاية بشكل عرض تمثيلي، من خلال تقمص الشخصيات أو تمثيل الأحداث.
ويمكن تتبع تطور وظيفة السرد وكيف تطورت عبر العصور، ففي المسرح الاغريقي أدّت الجوقة وظيفة السرد الجماعية والتي عدت النواة الأولى لوظيفة الراوي الفردي المسرحي، مع مرور الزمن لم تختلف هذه الوظيفة من المشهد المسرح بل استمرت عبر العصور وأخذت في التحّول والتشكيل وفق التطّورات الفكريّة والجماليّة، في القرن العشرين أعاد (برتولد بريشت) إحياء تقنية الراوي بوصفها تقنية تسهم في تفعيل عنصر (التغريب) ، ويتحقق هذا العنصر من ” خلال التقنيات التي تكسر الإيهام وتكشف اليه البناء الدرامي مما يجعل المتفرج يركز انتباهه على كيفية صنع الإيهام بدلا من الاستغراق فيه، من الجوقة الاغريقية إلى الراوي في المسرح الملحمي عند (بريشت) وأسس بوتولد بريشت المسرح الملحمي رد على المسرح الارسطي الذي اعتمد على التطهير وإثارة الشفقة والتماهي العاطفي، والتخلص من القواعد الدرامية التقليدية، وكما هو معروف أنّ ” في المسرح التقليدي شخصيتان: الممثل المتوحد مع الشخصية المسرحية والمندمج بها، والمتفرج. وفي المسرح الملحمي ثلاثة اشخاص: الشخصية المترجمة، والممثل المترجم، والمتفرج وهو الشخص الثالث الذي تترجم له الأحداث والشخصيات بغية تنويره وتعليمه وتثويره ، أراد بريشت أن يجعل من المتفرج مفكّرا ناقدا لا مندمجا.
إنّ الجوقة في اعمال (بريشت) من الركائز المهمة التي أسهمت في تكوين البنية الجمالية للمسرح الملحمي ،ولم تعد الجوقة في المسرح الملحمي عنصراَ ثابتا ، بل أصبحت عنصرا متغيرا يتفاعل مع سياق النص ومع بنية العرض ككل ،” فهي تعمل على الاتصال بالمشاهد او مقاطعة الحدث والتوجه نحو المشاهدين بخطابها العقلي توجها مباشرا ، وقد يتحقق اثرها التغريبي باعتراضها للحدث واخبارها المتلقي عن الأحداث التي ستقع بعد قليل ، وهذا يمنع التماهي ويعزز الوعي النقدي لدى المتفرجين .
الحكواتي في المسرح العربي
اتجه المسرحيون العرب (مثل روجيه عساف، سعد الله ونوس، وقاسم محمد، توفيق الحكيم، يوسف إدريس ) إلى التراث لتأصيل المسرح العربي. وتميز “الحكواتي العربي” عن “الراوي الغربي” بكونه:
شخصية ديناميكية: لا يلتزم حرفياً بنص مكتوب، بل يعتمد على الارتجال والتفاعل اللحظي مع الجمهور.
ممثل شامل: يؤدي أدوار جميع الشخصيات بمفرده، مما يقرب فنه من “المونودراما”.
فنان اجتماعي: في تجربة (مسرح الحكواتي) اللبنانية مثلاً، تحول الحكواتي إلى صوت للواقع اليومي، مستخدماً لغة الناس للتعبير عن همومهم وقضاياهم.
الاستنتاجات الختامية:
الطفل كشريك: الحكواتي الموجه للطفل لا يقدم عرضاً من طرف واحد، بل يستثير خيال الطفل ويجعله مشاركاً وجدانياً وعقلياً.
أولوية الأداء: يثبت فن الحكواتي أن الأداء الشفهي والحركي هو العمود الفقري للعرض، بينما تظل “السينوغرافيا” عنصراً مكملاً يمكن الاستغناء عنه لصالح قوة الحكي.
أهمية النتائج:
النتائج التي استخلصتها الباحثة (كما وردت في المقالة) دقيقة ومنطقية، ومتسقة مع الدراسات المعاصرة في مسرح الطفل خاصة:
مركزية الأداء الشفهي
مشاركة الطفل
بساطة السينوغرافيا
الوظيفة التربوية
ومن أهم نقاط القوة والتميز في البحث :

- لغة عربية فصيحة
- مصطلحات مسرحية دقيقة
- أفلحت الباحثة في الربط بذكاء بين الجذور التاريخية (الجوقة الإغريقية) والمسرح الملحمي (بريخت) وصولاً إلى المسرح العربي المعاصر.
- قدرة على الشرح
- موضوع مهم وحديث
- إحاطة واسعة بفن الحكواتي
- ربط تاريخي ونظري جيد
استنتاجات واضحة
حس مسرحي أكاديمي عميق










