فى خطوة فنية جسورة تجمع بين حنين الماضي وديناميكية الحاضر ، يشهد مسرح البالون حالة من التوهج الفني من خلال العرض الإستعراضي
” غرام فى الكرنك ” برؤية وإخراج الفنان تامر عبدالمنعم .
هذا العرض لا يقدم مجرد استعادة لفيلم سينمائي أيقوني ، بل يعيد صياغة الهوية البصرية لفرقة رضا للفنون الشعبية بروح العصر ، ليثبت أن التراث الشعبي المصري يمتلك طاقة متجددة قادرة على إبهار الجمهور بمختلف أجيالة .
تنجلي عبقرية الرؤية الإخراجية للفنان تامر عبدالمنعم فى قدرته على الإشتباك بين كلاسيكية اللوحات المحفوظة فى الوجدان ، وبين متطلبات الإستعراضات الحية على خشبة المسرح . جاءت المعالجة الإخراجية سلسة ، متدفقة ، وبعيدة تماماً عن الرتابة ، حيث نجح تامر فى خلق جسر درامي يربط بين ما نشاهدة على الشاشات وما نشاهدة على المسرح ، وبين الإستعراض والأخر دون أن يشعر المشاهد بأي فجوة زمنية أو بصرية . تمثلت قوته فى الحفاظ على الروح الأصلية التى وضعها الرواد ( محمود رضا وعلى رضا ) ، مع ضخ أفكار جديدة تجعل العرض نابضا بالحياة وملائما لتقنيات العصر الحالي .
لم تكن العناصر البصرية من ديكور وشاشات مجرد خلفيات صامتة ، بل تحولت إلى عناصر حيوية تخدم الحالة الفنية والنفسية والجمالية لكل لوحة إستعراضية :
ـ الديكور وشاشات البروچيكتور إستخدمت بذكاء شديد ، حيث نجح فى نقل المشاهد بسلاسة من أجواء المسرح إلى عظمة وهيبة معابد الأقصر . تميز الديكور بالمرونة والعمق فى نفس الوقت ، مما أعطى مساحات مريحة وواسعة لحركة الراقصين .
ـ الإضاءة لعبت دوراً مباشراً للبعد الدرامي وتحريك المشاعر ، فكانت تتدرج بنعومة بين درجات الدفء التى تعكس شمس الصعيد ، وبين الألوان الحيوية التى تتماشى مع إيقاع الموسيقى وصخب الإستعراضات ، مما أضفى أبعاداً ساحرة على العرض بشكل عام ، وزاد من جمالية اللوحات الأستعراضية بشكل خاص .
ـ الموسيقي جاءت بإعادة إحياء ألحان الموسيقار الراحل على إسماعيل وتحديثات صوتية جديدة تناسب التجهيزات التقنية الحديثة لمسرح البالون .
يبقي الرهان الأكبر فى هذا العرض على عنصر الراقصون والراقصات ، الذى كسب الرهان بجدارة ، وقدموا رقصاتهم بشكل حيوي ومميز من حيث التزامن الحركي الجماعي المبهر والمعبر . لم يكن أداء الراقصين مجرد حركات تتبع الإيقاع ، بل كان تعبيراً بالوجوة والعيون وكل أجزاء الجسد الذى يفيض بالشغف والفخر بما يقدموه من تراث شعبي . أعاد الجيل الجديد من شباب فرقة رضا إحياء رقصات لم تعلم الأجيال الجديدة من الجمهور عنها شيئاً ، والتى قدمت بطاقة متفجرة ملأت جنبات مسرح البالون بالبهجة ، وأثبتوا أن الأجيال الجديدة من الراقصين لفرقة رضا قادرة على حمل الراية بكل أمانة وأقتدار .
- وراء كل رؤية إخراجية طموحة جندي مجهول هو بمثابة بوصلة الإنضباط ، والمحرك الأساسي الذى يترجم الأفكار إلى واقع ملموس ، وهنا يبرز الدور الإستثنائي الذى بذله المخرج المنفذ الفنان
( أحمد شعراوي ) .
إن حجم الجهد المبذول فى ضبط حركة جميع المشاركين فى العرض من فنانين وفنيين سواء على خشبة المسرح أو من كانوا خلف الكواليس ، والإشراف على الإنضباط والتناغم التام بينهم وبين مختلف عناصر العرض من ( صوت ، أضاءة ، وحركة مسرحية ) يعكس إحترافية عالية .
لقد نجح ( أحمد شعراوي ) فى إدارة كواليس هذا العمل الضخم بدقة كبيرة ، لتظهر ما يقدم على المسرح فى أوج إنضباطه وسلاسته ، مؤاكد أنه الركيزة الأساسية التى ضمنت خروج العرض بهذا المظهر المشرف .
إن عرض ” غرام فى الكرنك ” برؤية تامر عبدالمنعم ، والمجهود التنفيذي المقدر لأحمد شعراوي ، وتكامل عناصر السينوغرافيا مع الأداء المميز من مجموعة الراقصين ، ليس مجرد سهرة مسرحية عابرة ، بل هو وثيقة فنية تؤكد على ريادة الفن الإستعراضي الشعبي المصري ، ودعوة صريحة للأحتفاء بالهوية الوطنية بأسلوب إبداعي يليق بالماضي والمستقبل معا .











