الآن؛ أحتاج أن أقرأ الطمأنينة في داخلي، وفي وجوه العابرين أكثر، وأن تجالسني السكينة قبل أن يتنازعني الأرق. تألفني كما يألف البيت نبض ساكنيه، والليل نجومه، والمحراب ظل العابدين. أريد أن أرتّب داخلي، فلا أرى فراغ الأمكنة، ولا المقاعد المهجورة، ولا الرفوف التي ناءت بثقل الأصوات المفقودة. أتوق أن يغمرني أمان، وألّا تيتم ذاكرتي بين شظايا الجدال، وألّا يترك الحزن جدائله في الذاكرة، وأن يحنو الفجر على أيامي. الحروب جميعها تغتالنا ببطء؛ تلك التي تختطف ضحكات الأطفال وتترك صمت المدن خلفها، وتلك التي تختبئ بين الكلمات فتقتل الأمل بهدوء بارد، وتلك التي تشعل داخلنا نيرانًا صامتة وتعيد تشكيل الحقيقة بالأكاذيب، أو تسكن صدور العشاق فتمنع لقاءهم وتورث القلب صمتًا مديدًا. أحتاج أن أشعر أنك هنا قبل أن يتشظى قلبي بين الظلال والرماد. حدثني كثيرًا عن الاحتمالات التي لا تنطفئ، وعن الحروب التي تخبو، وصافحني بيدٍ من الأمل. تحدث.. لأتنفس برئتيك، لتكونني وأكونك دون خيط فراق. كضوءٍ يعشق ظله، وسطورٍ تحفظ قصائدها، ونهرٍ يعانق مجراه. سأنصت لنداء الحياة أكثر، وأترك قلبي مفتوحًا، لعل الفجر يكتب أسماءَنا. كلما خفت الوهج في داخلي، تذكرني نجمة على حافة السحاب بأن بعد الغيم متسعًا للفرح. كصوتك حين يصافحني بأيدٍ من نور، وبقلب عاشق يهاب الغياب ويكره المسافات، فيعيد للنبض حيواتٍ هاربة ويكتمل بي ويكملني. أنا المسافرة يا حبيبي على جناح الضوء، تأكلني شظايا النبوءات وتبللني دموع القصائد. أوقن بميلاد أبجدية جديدة تعيد للكون صوته المفقود. وبين أنفاس القصائد حروف العاشقين نبض خالد؛ كدعوة في فم عابد، وقلب رؤوم عاد إليه وحيده، ومعزوفة سرمدية لعازف يتنفس موسيقى الوجود. أوقن أنه حين يهدأ العالم ويستيقظ النهار، سينحني الظلام ويحتضن السلامُ الأرضَ. ويخلد الديوان قصائدًا ووجوهًا وآثارًا تتنفس نورًا وموسيقىٰ، لا تمحوها عتمة ولا تطمسها أيادٍ آثمة.










