في حياة الأمم لحظات فارقة لا يكون فيها الحياد فضيلة ولا يصبح الوقوف على الهامش خيارا آمنا. لحظات تفرض على الجميع أن يحددوا مواقعهم هل هم جزء من البناء أم مجرد متابعين للمشهد؟ هل يشاركون في صناعة المستقبل أم يكتفون بالتعليق عليه؟ فالأوطان مهما امتلكت من موارد وإمكانات لا تبنى بالمتفرجين وإنما تبنى بأصحاب الإرادة الذين يؤمنون أن لهم دورًا ومسؤولية ورسالة.. ولعل واحدة من أكبر الحقائق التي تؤكدها تجارب التاريخ أن الأمم الناهضة لم تصل إلى ما وصلت إليه بقرارات الحكومات وحدها ولا بالمشروعات الكبرى فقط بل بوجود مواطن أدرك أن نجاح وطنه ليس شأنا يخص الدولة وحدها وإنما مسؤولية مشتركة يتقاسمها الجميع.. فالوطن ليس مؤسسة تعمل بمعزل عن الناس وليس كيانا منفصلا عن المجتمع. الوطن هو مجموع الجهود الصغيرة التي تتراكم يوما بعد يوم لتصنع إنجازا كبيرا. هو العامل الذي يتقن عمله والمعلم الذي يخلص في رسالته والطبيب الذي يراعي ضميره والموظف الذي يحترم وقت الناس والطالب الذي يجتهد في دراسته ورجل الأعمال الذي يستثمر في الإنتاج، والإعلامي الذي ينحاز للحقيقة…المشكلة أن بعض المجتمعات تقع أحيانا في فخ خطير يتمثل في الاعتقاد بأن مسؤولية التغيير تقع دائما على الآخرين. كل طرف ينتظر من غيره أن يبدأ وكل فرد يطالب بالإصلاح دون أن يسأل نفسه عن نصيبه من هذه المهمة. ومع مرور الوقت تتسع المسافة بين ما نريده وما نفعله بين الأحلام التي نتحدث عنها والواقع الذي نصنعه بأيدينا.. ومن هنا تبدأ ثقافة التفرج.
ثقافة تجعل الإنسان ناقدا لكل شيء مشاركا في الحديث عن كل قضية لكنه غائب عن الفعل الحقيقي. يتابع الأحداث يناقشها يعلق عليها وربما يغضب منها لكنه لا يخطو خطوة واحدة نحو التغيير الذي يطالب به.. وليس هناك ما هو أخطر على المجتمعات من انتشار هذا النوع من السلبية المقنعة. فالتحديات لا تواجه بالكلمات وحدها والأزمات لا تحل بالنقاشات فقط والمستقبل لا يصنعه الذين يراقبون من بعيد.
لقد علمتنا التجارب أن الأمم التي نجحت في تحقيق قفزات تنموية كبرى لم تكن تمتلك دائمًا موارد استثنائية، لكنها امتلكت شيئا أكثر أهمية؛ وهو شعور المواطنين بأنهم شركاء في المشروع الوطني. كانوا يدركون أن كل ساعة عمل وكل فكرة جديدة وكل جهد مخلص يضيف لبنة جديدة في بناء الوطن.. وفي المقابل فإن المجتمعات التي انتشرت فيها اللامبالاة دفعت ثمنا باهظا. ليس لأن مواردها كانت أقل بل لأن روح المشاركة تراجعت وحل محلها شعور بأن المسؤولية تخص الآخرين وحدهم.. واليوم ونحن نعيش في عالم شديد التعقيد والتنافس لم يعد هناك مكان للدول التي تستهلك أكثر مما تنتج أو للمجتمعات التي تنتظر الحلول من الخارج. فالعالم يحترم الأمم التي تعتمد على نفسها وتستثمر في قدرات أبنائها وتؤمن بأن التنمية ليست مشروع حكومة فقط بل مشروع شعب بأكمله.. ومن الإنصاف القول إن مصر على امتداد تاريخها لم تكن يوما وطن المتفرجين. فحين واجهت التحديات الكبرى كان أبناؤها دائما في الصفوف الأولى. في لحظات الحرب، وفي معارك البناء، وفي مواجهة الأزمات، أثبت المصريون أن لديهم قدرة استثنائية على التكاتف والصمود والعمل.. لكن التحدي الحقيقي لا يظهر فقط في أوقات الخطر بل في الحياة اليومية. فبناء الأوطان لا يتحقق في المناسبات الكبرى وحدها وإنما في التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها أحد.. حين يلتزم المواطن بالقانون فهو يشارك في بناء الوطن.. وحين يحافظ على الممتلكات العامة فهو يشارك في بناء الوطن.. وحين يرفض الفساد أو المحسوبية أو الاستسهال فهو يشارك في بناء الوطن.. وحين يزرع في أبنائه قيم العمل والانتماء والمسؤولية فهو يشارك في بناء الوطن.. هذه الأفعال البسيطة قد تبدو محدودة الأثر لكنها في حقيقتها تشكل الفارق بين مجتمع يتقدم ومجتمع يراوح مكانه.. ومن المؤسف أن بعض الناس ما زالوا يختزلون الوطنية في الشعارات بينما الوطنية الحقيقية تظهر في السلوك اليومي. فحب الوطن ليس مجرد كلمات تردد وإنما التزام عملي يظهر في احترام العمل والوقت والقانون والآخرين.. كما أن بناء الوطن لا يعني غياب النقد، فالنقد الواعي ضرورة لأي مجتمع يريد التقدم. لكن هناك فرقا كبيرا بين النقد الذي يهدف إلى الإصلاح، والنقد الذي يتحول إلى حالة دائمة من الإحباط والتشكيك والهدم. الأول يفتح أبواب الحلول والثاني يغلقها.
الوطن يحتاج إلى العقول التي تفكر لكنه يحتاج أيضا إلى الأيدي التي تعمل. يحتاج إلى من يشير إلى الخطأ لكنه يحتاج أكثر إلى من يشارك في تصحيحه. فالأمم لا تتقدم بكثرة الشكوى وإنما بكثرة المبادرة.. ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو شعور أفراده بأن جهودهم لا قيمة لها. لأن هذا الشعور يقتل الحماس ويحول الإنسان من شريك في البناء إلى مجرد مشاهد للأحداث. بينما الحقيقة أن الإنجازات الكبرى تبدأ دائما بخطوات صغيرة وأن التغيير الحقيقي يبدأ حين يقتنع كل فرد أن له دورًا مهما بدا محدودا.لقد أثبت التاريخ أن الحضارات العظيمة لم يبنها الأبطال وحدهم بل بنتها ملايين الأيدي المجهولة التي أدت واجبها بإخلاص. العامل الذي أخلص في عمله والمعلم الذي ربى أجيالا والفلاح الذي زرع الأرض والباحث الذي اجتهد في معمله كل هؤلاء كانوا شركاء في صناعة الحضارة حتى لو لم تذكرهم الكتب…وفي النهاية يبقى الوطن أكبر من حكومة وأكبر من مؤسسة وأكبر من مشروع. إنه فكرة مشتركة ومسؤولية جماعية وحلم يتجدد مع كل جيل. وإذا كان لكل إنسان الحق في أن يحلم بوطن أفضل فإن عليه أيضا واجبا تجاه هذا الحلم.. فالأوطان لا تنهض بالأمنيات ولا تبنى بالانتظار ولا تتقدم بالوقوف على الهامش. إنها تحتاج إلى مواطن يرى نفسه جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة وشريكا في البناء لا مجرد متفرج على ما يحدث.. ولهذا تبقى الحقيقة الأهم أن مستقبل أي وطن لا يكتبه الذين يراقبون المشهد من بعيد بل يكتبه الذين ينزلون إلى الميدان ويؤمنون بأن العمل مهما كان صغيرًا يمكن أن يصنع فرقا كبيرا.
فالأوطان في نهاية المطاف لا يبنيها المتفرجون.









