وحدة سرية جديدة، مئات الحسابات الوهمية، واحتجاجات تُستثمر.. مقابل منشأة استخباراتية إسرائيلية تتضرر في المواجهة الأخيرة لطالما اعتقد العالم أن الصراع بين إسرائيل وإيران هو صراط من عمليات الاغتيال، وتفجير المنشآت النووية، واختراق المواقع الحساسة. كان الموساد يعمل في صمت، يضرب حيث لا يتوقع أحد، ثم يختفي كالظل. لكن الأيام الأخيرة كشفت تحولاً استراتيجياً صامتاً لكنه مدوٍ: لم يعد الهدف فقط قتل العلماء أو تفجير المفاعلات، بل صار الهدف العقل الإيراني نفسه، والشارع الإيراني، ومشاعر اليأس والغضب التي تتصاعد بين أطياف المجتمع. وفقاً لتحقيق نشره موقع “آي 24 نيوز”، قرر الموساد فتح جبهة جديدة في حرب الظل: “حرب التأثير”، حيث لا تُستخدَم الرصاصة بل الرسالة، ولا يُستهدف القادة فقط بل ثقة الملايين بمؤسساتهم.
قبل سنوات قليلة، كان أي حديث عن “تأثير إعلامي” للموساد يبدو هامشياً مقارنة بعملياته النوعية. لكن التقرير الجديد يرسم صورة مختلفة: داخل أروقة الموساد، أنشئت وحدة متخصصة تحمل اسم “قسم عمليات التأثير”، تعمل كجيش صامت من الخوارزميات والبشر. مهمتها؟ استخدام وسائل الإعلام التقليدية وشبكات التواصل الاجتماعي، وقيادة جيوش من الحسابات الوهمية التي تتحدث بالفارسية بطلاقة، وتنشر محتوى مصمماً بدقة لتحقيق هدف واحد: التأثير على المزاج الشعبي الإيراني، وبذر بذور الشك بين الشعب والنظام. ليس هذا فقط، بل العمل على إضعاف الثقة بالمؤسسات الإيرانية – من الحكومة إلى القضاء، ومن الجيش إلى الإعلام الرسمي.
الاحتجاجات والأزمات الداخلية: وقود مجاني لحرب التأثير
التقرير يلفت إلى أن هذه الاستراتيجية لم تنشأ في فراغ، بل تعلمت كيف تستثمر الاحتجاجات والأزمات الداخلية التي تهز إيران بين فترة وأخرى. فكلما خرجت مظاهرة بسبب الاقتصاد، أو كلما اندلعت احتجاجات على خلفية الحجاب أو المياه أو الكهرباء، تجد “قسم عمليات التأثير” فرصة ذهبية: تنشر فيديوهات قديمة مزعومة، تغرد بتعليقات تحريضية، تعيد تدوير شعارات الاحتجاج مع إضافات تخدم السردية الإسرائيلية، وتضخم حجم الأحداث. وليس هذا فقط، بل تصل الأمور إلى نشر محتوى موجه يهدف إلى ممارسة ضغوط سياسية ونفسية على النظام – كأن يحاول الموساد إقناع الإيرانيين أن “نظامهم ينهار”، أو أن “العالم تخلى عنهم”، مما يخلق حالة من اليأس قد تدفع بعضهم إلى الاحتجاج أو الهجرة.
الحرب ليست باتجاه واحد: منشأة استخباراتية إسرائيلية تتضرر
لكن في عالم الاستخبارات، لا يظل أي طرف منتصراً إلى الأبد. وفي المقابل، كشفت تقارير عن أن المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل لم تمر دون خسائر إسرائيلية. فوفقاً للتقرير، تعرضت منشأة مرتبطة بإحدى وحدات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الحساسة لأضرار خلال التبادل الأخير. ما هي هذه المنشأة؟ ما هي طبيعة الأضرار؟ لم تفصح التفاصيل بالكامل، لكن الإشارة وحدها تعكس حقيقة مريرة: الصراع الاستخباراتي بين إسرائيل وإيران لم يعد صيداً من جانب واحد، بل أصبح مباراة مفتوحة، حيث يسدد كل طرف ضرباته – السايبر، الاغتيالات، الاختراقات، والتأثير الإعلامي – ويتلقى ضربات مماثلة.
صراع من ثلاثة أبعاد: عسكري، استخباراتي، نفسي إعلامي
ويرى التقرير أن طبيعة المواجهة بين تل أبيب وطهران تجاوزت مرحلة “العمليات العسكرية فقط”. لقد تحولت إلى صراع يجمع بين الاستخبارات (التجسس والاختراق)، والحرب النفسية (بث الخوف واليأس)، والتأثير الإعلامي (تشكيل الرأي العام داخل إيران وخارجها). هذا التحول يعني أن الحرب لم تعد تُحسم بالقنابل فقط، بل بمن يمتلك رواية أكثر إقناعاً، ومن يستطيع اختراق عقول الجمهور قبل اختراق التحصينات.
تساؤلات مفتوحة: هل تؤثر الحروب النفسية على استقرار الدول فعلاً؟
هذه التطورات تطرح تساؤلات ثقيلة على طاولة المحللين: ما هو الدور الحقيقي للحروب النفسية والإعلامية في الصراعات الحديثة؟ وهل يمكن لمئات الحسابات الوهمية أن تهز دولة بحجم إيران؟ أم أن التأثير مبالغ فيه؟ وإلى أي مدى يمكن أن تنهار ثقة المجتمعات بمؤسساتها لمجرد تعرضها لحملة تضليل محكمة؟ الإجابات ليست بيضاء أو سوداء، لكن ما هو مؤكد أن الوعي الجمعي لأي مجتمع أصبح ساحة حرب جديدة، ربما أهم من ساحة المعركة الفعلية.
كلمة أخيرة: ما قاله السيسي عن حروب الجيل الرابع
في سياق متصل، جاءت كلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتذكر العالم بحقيقة جوهرية. فقد أكد الرئيس أن مواجهات الجيل الرابع والخامس لا تعتمد على السلاح فقط، بل تقوم أيضاً على الوعي والفهم ومواجهة الجهل والوعي الزائف. وهذا بالضبط ما يحدث في المواجهة الإيرانية-










