كانت تقرأ كثيرًا… تجلس بجانب نافذة غرفتها على أريكة مريحة… أحيانًا تغفو وتنام والكتاب مفتوح بين يديها، وأحيانًا كثيرة تبكي.
كنتُ أمرّ أمام غرفتها، فإذا وجدتها نائمة أعود بهدوء دون أن أحدث أي ضجيج، وإذا وجدتها مستيقظة أعرض عليها برنامج اليوم. كنت أعرف شخصيتها وما يلائم ذوقها، فلا أقترح شيئًا إلا إذا شعرت أنه يناسبها.
كانت ترفض غالبًا، وتقول لي وهي تبكي إنها ليست على ما يرام، وإنها حزينة.
العيش في دار كبار السن أمر صعب عليها، ولن تتقبله أبدًا… هذا ما قالته لي يومًا حرفيًا.
أحيانًا كانت تصرخ، ثم تلاحظ انزعاجي فتعتذر بسرعة… كانت تتأرجح بين مشاعر غامضة، أو ربما بين مشاعر يعتصرها ألم الرفض والعجز تجاه كل شيء.
ذات يوم مررتُ بغرفتها، وكنت قد حاولت كثيرًا أن أشتغل على لغتي، وعلى تعابير وجهي، وعلى الطريقة التي أوجّه بها الدعوة إليها.
كيف يمكن أن نخاطب إنسانًا يحمل جروحًا كثيرة في سنّ هشّة، ويكون خطابنا القصير محمّلًا بمزيج من التقدير والتبجيل، وكل ما يجعل الإنسان يشعر أن له ما يزال قيمة، وأنه ما يزال محاطًا بانتباه الآخرين وحبهم؟
أن يشعر أنه ما يزال حاضرًا بكل ما يملكه من فكر ومشاعر، وأنه كائن اجتماعي له الحق نفسه في الحياة مثل باقي الأعمار.
كان باب غرفتها مفتوحًا دومًا. ابتسمتُ لها بعفوية، فردّت الابتسامة قائلة:
“أنتِ لا تعرفين كم أشعر بالارتياح حين تطلين من الباب… ابتسامتك تريح قلبي كثيرًا… أنتِ إنسانة لطيفة جدًا.”
حقًا، لم أكن أتوقع أن ابتسامة خفيفة يمكن أن تطرق قلبها بهذه القوة.
جاءت معي هذه المرة، وتعمدتُ اختيار المكان الذي تجلس فيه حتى تبقى إلى آخر برنامج التنشيط. أجلستها بجانب سيدة لطيفة تُحسن الحديث، ومرت الأجواء رائعة.
لم تغادر ذهني صورتها وهي تشكرني على ابتسامتي.
هناك فراغات كثيرة في أيامنا تمرّ بقسوة، فقط لأن جانب المشاعر وُضع على الهامش.
ثم إن هناك ما يسمونه بالابتسامة التجارية، أو الابتسامة الصفراء، والعديد من تعابير الوجه الميكانيكية التي تزيد حياة الناس تعقيدًا.
المرأة التي تحدثت عنها تعكس معضلتين أساسيتين في عصرنا الحديث:
الأولى: تقسيم الأفراد حسب الأعمار، وكأن الإنسان يتوقف عن الحياة عند سنّ معينة. هل من المعقول أن يتحول إنسان، بعد عمر طويل من النشاط الاجتماعي والإنساني، إلى كتلة باردة بلا أجنحة ولا نبض؟
أما الثانية، فهي أهمية المشاعر الإنسانية في إعادة ضخ الإحساس بالحياة لدى كبار السن. والحقيقة أن هذه المشاعر ضرورية لكل الأعمار، لكن الإنسان في المراحل الأخرى قد ينشغل عنها وسط متطلبات الحياة المادية.
المشاعر الإنسانية لا تظهر فقط في طريقة الكلام، بل أيضًا في نظرات العيون، وفي الابتسامة، وفي الربت على الكتف… أشياء بسيطة جدًا، لكنها قادرة على أن تجعل أي إنسان يشعر بقيمته وإنسانيته.
ابتسامة واحدة غيّرت يومًا كاملًا… من الدموع إلى الامتنان.
وكان لتعبيرها عن الامتنان أثر كبير في نفسي؛ إذ جعلني أتساءل أكثر، وأفهم الآخر أكثر. إنها علاقة إنسانية متبادلة تجعلنا نتقدم في رؤيتنا للأشياء، ونغوص أعمق في تلك التفاصيل التي لا نعيرها أحيانًا أي اهتمام.










