كنتُ ذاتَ يومٍ شجرةً وارفةَ الظلالِ، مورقةَ الأغصانِ، سخيةَ الثمرِ، ذكيةَ العطرِ… تعلّقَ قلبِي بغيمةٍ سكنتْ سمائي، فأظلّتْني بظلّها نهارًا، وآنستْ وحشةَ ليلي، فرأيتُ فيها أقواسَ قزحٍ في الشتاءِ الماطرِ، وراقبتُ أسرابَ الطيرِ المهاجرةِ في الخريفِ العابرِ، وتأملتُ انعكاسَ المروجِ الخضرِ في الربيعِ الناضرِ، وحُجبتْ عني لفحاتُ شمسِ الصيفِ القائظِ.
ومضتِ الفصولُ ولم أعدَّ لها عدًّا، ولم أدرِ كم ربيعٍ ولّى وكم خريفٍ انقضى… وفجأةً بدأتِ الغيمةُ تتلاشى، وأخذتْ أوراقي تتساقطُ ورقةً ورقةً، وازدادَ الجفافُ على أغصاني غصنًا غصنًا، فنظرتُ حولي فإذا بي في صحراءَ قاحلةٍ ليسَ فيها سواي، فرفعتُ رأسي أسألُ غيمتي فإذا لا غيمَ في السماءِ، وإذا غيمتي وهمٌ وسرابٌ من بناتِ خيالي.
فأفقتُ على صحراءَ أنكرتْني، وصفعتني بريحِها اللافحةِ، وأخرجتني من بستانِ سعادتي إلى قفارِ وحدتي، أحملُ أحزاني أثقالاً على ظهري، لا أجدُ ما أسدُّ به رمقي ولا ما يبلُّ صداي.
وبينما أنا أتخبَّطُ في ظلماتِ حيرتي، إذا بي ألمحُ من بعيدٍ واحةً تفيضُ ماءً، فأسرعتُ الخطى إليها خشيةَ أن تكونَ سرابًا آخرَ يخدعُني… فإذا بها واحةٌ حقٌّ لا خيالَ فيها، لم ترَ عيني أبهى منها منظرًا ولا أطيبَ موردًا.
اقتربتُ من مائها فإذا هو كوثرٌ عذبٌ فراتٌ، تلمعُ قطراتُهُ كحباتِ اللؤلؤِ المنثورِ، وتحفُّهُ أرضٌ فسيحةٌ مفروشةٌ بسندسٍ أخضرَ نضيرٍ، تزيّنُها زهورٌ بديعةُ الألوانِ، عطرةُ الأردانِ، وأسمعُ زقزقةَ العصافيرِ وتغريدَ الطيرِ تسبّحُ اللهَ وتقدّسُهُ من حولي.
فأسرعتُ الخطى نحوَ الغديرِ لأرميَ حمولي وأرويَ ظمئي… فاستوقفني شيخٌ وقورٌ بشوشُ المحيّا جالسٌ بجانبِ الماءِ، فسألتُهُ: أينَ أنا؟ فتبسّمَ وقال: أنتِ في رحابِ الإيمانِ. وحملَ عن ظهري أحمالي فخفَّتْ وطأتي وشعرتُ بسعادةٍ تغمرُني.
ولمّا دنوتُ من الغديرِ لأشربَ، قالَ محذّرًا: إيّاكِ أن تقتربي من هذا الغديرِ فلا سبيلَ لكِ إلى الشربِ منه! فتجمّدتُ مكانِي كمنْ أُلقمَ حجرًا، وقلتُ: يا شيخُ، ألمْ تحملْ عني أحمالي قبلَ قليلٍ؟ فكيفَ تمنعني الآنَ من الماءِ وقد أخذَ العطشُ مني كلَّ مأخذٍ؟
فنظرَ إليّ نظرةَ رحمةٍ تفيضُ عطفًا وحنانًا، وقال: لا أستطيعُ أن أسقيَكِ، فكلُّ ما ترينَ من نِعَمٍ هنا ليسَ لي، ولا أملكُ أنْ أُذيقَكِ من هذا الغديرِ شيئًا.
فحزنتُ وسألتُهُ: باللهِ عليكَ منْ تكونُ؟ فأطرقَ هنيهةً ثم قال: أنا الصبرُ… صبرتُ فكُفيتُكِ همَّكِ ورفعتُ عنكِ ثقلَكِ. فقلتُ: ومن صاحبُ هذا المكانِ؟ قال: صاحبُهُ اليقينُ… فلا ينالُ أحدٌ من هذا النعيمِ، ولا يذوقُ حلاوةَ الإيمانِ، إلّا من كانَ من المتّقينَ.
فقلتُ: وكيفَ أصلُ إلى هذا اليقينِ؟ قال: كوني إنسانةً بحقِّ الكلمةِ ومعناها… شاركي الناسَ همومَهم، وانظري إلى مصالحِهم، وتمتّعي برؤيةٍ فكريةٍ واسعةٍ منزّهةٍ عن الأذى والاعتداءِ، مترفّعةٍ عن الضيقِ والانتقامِ.
واعلمي أنّ من لا يعرفُ اللهَ حقَّ معرفتِهِ يعصيهِ، ومن ابتدعَ في دينِهِ حُجبَ عن ربِّهِ ببدعتِهِ حتى يتخلّصَ منها. وداومي على العملِ الصالحِ بشرطيهِ: الإخلاصُ والمتابعةُ. واجتنبي الكبائرَ الظاهرةَ كالزنا وشربِ الخمرِ والسرقةِ، واهربي من الكبائرِ الباطنةِ وهي أدهى وأمرُّ: الخيلاءُ والفخرُ والكبرُ والغرورُ… فهذه إذا استوطنتِ القلبَ كانتْ حجابًا كثيفًا بينَ العبدِ وربِّهِ.
ولا تستصغري الصغائرَ، فكمْ من صغيرةٍ أهلكتْ صاحبَها وساقتْهُ إلى سوءِ الخاتمةِ! ولا تغفلي عن ذكرِ اللهِ طرفةَ عينٍ، فالذكرُ إذا استحكمَ في القلبِ لم يفارقْ محبوبَهُ جلَّ وعلا.
فإذا صنعتِ ذلكَ كلَّهُ، شكّلتِ حولَكِ مجتمعًا مفعمًا بالخيرِ والبركةِ… عندها فقط سيُزالُ الحجابُ عن قلبِكِ، ويوصلكِ اليقينُ إلى ما تريدينَ.










