شاهدت العرض الأول لمسرحية «لحظة واحدة»، تأليف وإخراج يوسف مراد منير، على خشبة قاعة صلاح جاهين بالبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية، وغادرت القاعة وأنا أحمل تقديراً واضحاً لتجربة مسرحية هادئة ومركزة، تقدم فكرة إنسانية ذات بعد فلسفي دون أن تكشف كل أوراقها مبكراً.
يقوم العرض على ممثلين اثنين فقط: الفنانة القديرة ماجدة منير والفنان إسلام شوقي. وهذا الاختيار يضع مسؤولية كبيرة على عاتقهما، لأنهما يحملان الحكاية كاملة، ويحافظان على إيقاعها، ويشدان انتباه الجمهور طوال زمن العرض دون الاستناد إلى كثرة الشخصيات أو تغيرات مستمرة في المشاهد. وقد نجح العرض، في أغلب لحظاته، في الحفاظ على هذا التركيز.
قدمت ماجدة منير حضوراً إنسانياً هادئاً ومتمكناً، قائماً على التفاصيل الصغيرة؛ النظرة، والصمت، ونبرة الصوت، وطريقة الاستجابة. أما إسلام شوقي، فكان لافتاً بكاريزما وحضور طاغيين على الخشبة، وطاقة مسرحية واضحة ساعدت في خلق التوتر الدرامي والحفاظ على حيوية الأداء.
من الناحية البصرية، جاء الديكور مهتماً بالتفاصيل، كما اعتدنا في أعمال يوسف مراد منير، وساهم في بناء الحالة العامة للعرض دون أن يطغى عليها. كذلك جاءت الموسيقى منسجمة مع المشاهد، ترافقها في اللحظات المناسبة، وتضيف إليها دون أن تفرض نفسها عليها.
أكثر ما أعجبني هو الإيقاع الذي ضبطه يوسف مراد منير بحساسية واضحة. هناك وعي بالانتقال من حالة إلى أخرى، وبأهمية الحفاظ على علاقة المتفرج بما يحدث على الخشبة، دون استعجال أو شرح مباشر للفكرة، وهو ما منح العرض تماسكه حتى نهايته.
ولا أرغب في الحديث عن الفكرة الأساسية للمسرحية حتى لا أفسد تجربة المشاهدة، لأنها تقوم على التدرج في الفهم والشعور، وتترك للمتفرج مساحة للتأمل بعد انتهاء العرض.
كما لفتني في كلمة يوسف مراد منير بعد انتهاء العرض حديثه عن أهمية استمرار هذا النوع من المسرح؛ المسرح الذي يراهن على الفكرة، وعلى الأداء، وعلى العلاقة الحية مع الجمهور. وهي رؤية تستحق الدعم، لأن تنوع التجارب المسرحية هو ما يحافظ على حيوية الحركة الفنية.
«لحظة واحدة» عرض بسيط في عناصره، مصنوع بعناية، ويمنح جمهوره ساعتين بعيداً عن ضوضاء الحياة اليومية. تجربة تستحق المشاهدة لكل من يبحث عن مسرح يعتمد على الفكرة، والأداء الصادق، والتفاصيل التي تُصنع بحب.










