لم يعد الحديث عن سلامة الغذاء فى كل متاجرنا وأسواقنا ترفا أو رفاهية، بل أصبح قضية تمس صحة وحياة كل مواطن بعد أن تحولت الشكاوى من فساد بعض المنتجات الغذائية إلى ظاهرة يومية تتكرر في الأسواق والمحلات والمطاعم وسط تساؤل مشروع: من يراقب ما نأكله؟ ومن يحمي المستهلك من جشع البعض واستهتار البعض الآخر؟
قبل عقود.. كان المواطن المصري يعرف جيدا شخصية “مفتش الصحة” الذي كان يجوب الأسواق والمحال التجارية والمطاعم بصورة دورية.. يفتش ويفحص ويأخذ العينات ويصادر الأغذية الفاسدة، ويحرر المحاضر للمخالفين، وكان مجرد ظهور مفتش الصحة كفيلا بإثارة القلق لدى أصحاب المحلات غير الملتزمين، الأمر الذي فرض قدرا من الانضباط والالتزام بمعايير النظافة والسلامة الغذائية.
أتذكر وأنا فى مرحلة الطفولة كنت أسير مع أقرانى فى قريتي ( نكلا العنب بحيرة ) خلف الاستاذ حسين أبو خليل مفتش الصحة بالقرية حيث كان يقتحم محلات البقالة فجأة لمعاينة المنتجات الغذائية ويأخذ عينات من المنتجات التى يشك فيها للتأكد من صلاحيتها وتحرير محاضر للمخالفين الذين لا يلتزمون بالاشتراطات الصحية.. وكان أصحاب المحلات والباعة الجائلين يعملون له ألف حساب .
والسؤال المهم هنا : أين الأجيال الجديدة من مفتشى الصحة الآن خاصة ونحن نعيش عصرا خربت فيه الذمم وانعدمت فيه ضمائر كثير من التجار؟؟ .
نعلم أن منظومة الرقابة على سلامة الغذاء أصبحت الآن أكثر تعقيدا مما كانت عليه فى الماضى ولم تعد مسئولية جهة واحدة، بل تشترك فيها عدة جهات من بينها وزارة الصحة، وتتقدمها الهيئة القومية لسلامة الغذاء التى أنشئت لتكون الجهة الرئيسة المنوط بها الرقابة على تداول الغذاء فى مصر، وتهتم بالتفتيش على مصانع الأغذية، والرقابة على المطاعم ومحلات بيع الأغذية، ومتابعة الأغذية المستوردة والمصدرة، وإصدار القرارات بسحب المنتجات الغذائية غير المطابقة للمواصفات القياسية.. الى جانب إدارات مراقبة الأغذية بوزارة الصحة والمنتشرة فى كل المحافظات.. كما أوكلت مهم رقابية للأجهزة المحلية فى المحافظات.. وأيضا لجهاز وجمعيات حماية المستهلك.
لكن رغم تعدد أجهزة الرقابة وتنوعها لا تزال الشكوى قائمة الأمر الذى يستدعى بحث كيفية تفعيل دور هذه الأجهزة لمطاردة معدومى الضمير من منتجى وتجار الغذاء الذين يستهدفون تحقيق مزيد من الأرباح على حساب صحة المواطنين.
لسنا فى حاجة إلى تأكيد أن ترك المنتجات الغذائية دون رقابة صارمة يشكل خطرا مباشرا على الصحة العامة.. فالأغذية الفاسدة أو مجهولة المصدر قد تكون سببا في انتشار أمراض خطيرة مثل التسمم الغذائي، والتهاب الكبد الوبائي، والنزلات المعوية الحادة، والفشل الكلوي، بل وبعض أنواع السرطان الناتجة عن تناول مواد حافظة أو ألوان صناعية أو إضافات غذائية غير مطابقة للمواصفات.. وعلاج هذه الأمراض يشكل عبئا على موازنة الدولة المرهقة أصلا بمواجهة كثير من الأمراض والاوبئة ولا تتحمل أعباء جديدة.
التقارير العلمية الصادرة عن العديد من الهيئات الصحية الدولية تؤكد أن ملايين الأشخاص حول العالم يصابون سنويا بأمراض مرتبطة بتلوث الغذاء، وأن الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة الأكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة..كما أن سوء تخزين الأغذية خاصة اللحوم ومنتجات الألبان والأسماك يؤدي إلى نمو البكتيريا والميكروبات المسببة لأمراض شديدة الخطورة، مثل بكتيريا السالمونيلا والإشريكية القولونية، وهي أمراض قد تؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة.
وهنا لا يمكن إنكار أن غالبية التجار وأصحاب المحلات يلتزمون بالاشتراطات الصحية ويحرصون على سمعتهم.. لكن هناك فئة ضالة تتزايد كل يوم وتسعى إلى تحقيق الربح السريع بأي ثمن، حتى ولو كان هذا الثمن صحة المواطنين.
هناك من يعيد تدوير الزيوت المستخدمة مرات عديدة فى المطاعم العامة لبيعها بأسعار زهيدة للمطاعم الشعبية المنتشرة فى كل المحافظات وهى سبب للأمراض الخطيرة، وهناك من يبيع منتجات منتهية الصلاحية بعد تغيير تاريخ الإنتاج.. وهناك من يخزن الأغذية في ظروف غير صحية، وهناك من يستخدم مواد مجهولة المصدر لتحسين الشكل أو الطعم أو اللون.. وفي غياب الرقابة الميدانية المستمرة يصبح اكتشاف هذه المخالفات أمرا بالغ الصعوبة، خاصة مع اتساع الأسواق وانتشار آلاف المحال والمطاعم وعربات بيع الطعام في مختلف المحافظات.
لا شك أن الأمن الغذائي جزء من الأمن القومي، وسلامة الغذاء لا تقل أهمية عن أي قضية تتعلق بالأمن القومي، فالمواطن المريض بسبب غذاء فاسد يمثل عبئا إضافيا على المنظومة الصحية والاقتصاد الوطني، كما أن انتشار حالات الأمراض الناجمة عن تلوث الغذاء يثير القلق المجتمعي ويهز ثقة المواطنين في الأسواق.
نعم.. لدينا العديد من الأجهزة الرقابية القوية والمجهزة بأحدث المعامل والتقنيات لمتابعة سلامة الغذاء بشكل يومى.. وكل ما نحتاجه هو تفعيل دور هذه الاجهزة لتعمل بطاقة مضاعفة وبشكل يومى ومدها بالكوادر الجيدة مع فرض عقوبات صارمة على المخالفين لتصل إلى الغلق الفوري والسجن والغرامات الباهظة لمن يتعمدون الاضرار بصحة المواطنين.
** نحتاج عودة مفتش الصحة إلى الشارع وتفعيل دوره.. وهذه ليست دعوة إلى الماضي، بل هي ضرورة عصرية تفرضها تحديات الحاضر.. فقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لدور مفتش الصحة، ليس بوصفه موظفا إداريا، بل باعتباره خط الدفاع الأول عن صحة المجتمع، وحارسا للأمن الغذائي، وصمام أمان يحمي المواطنين من عبث الفاسدين وجشع المتربصين.
** نحتاج دعم أجهزة الرقابة بالكوادر البشرية الكافية والتجهيزات الحديثة، مع تفعيل الخطوط الساخنة لتلقي شكاوى المواطنين والاستجابة السريعة لها.
** نحتاج الى قيام وزارة الزراعة بدورها لمحاسبة المزارعين الذين يستخدمون مبيدات حشرية وأسمدة مجهولة المصدر وغير مسموح بها أو يستخدمونها بشكل خاطىء ولا يسحبون بقايا المبيدات من المنتجات الزراعية قبل حصادها وعرضها للبيع.
** نحتاج الى مزيد من حملات توعية المواطنين من خلال كل وسائل التوجيه والتأثير للقيام بدورهم فى حماية طعامهم وشرابهم، والإبلاغ عن ما يرونه يوميا من مخالفات وتجاوزات.. فحماية المجتمع من الغذاء الفاسد مسئولية مشتركة بين الدولة والمواطن.. والمواطن مطالب بعدم شراء المنتجات مجهولة المصدر، والتأكد من تاريخ الصلاحية، والإبلاغ عن أي مخالفات أو حالات اشتباه، وعدم الانسياق وراء الأسعار الزهيدة التي قد تخفي وراءها منتجات غير آمنة.
** نحتاج الى تغليظ العقوبات على المتلاعبين بصحة المواطنين، لأن التهاون في هذا الملف يعني تعريض ملايين الأسر لمخاطر صحية جسيمة.
b_halawany@hotmail.com










