.
بِمُنَاسَبَةِ مُرُورِ مِائَتَيْ عَامٍ عَلَى تَأْسِيسِ المَدْرَسَةِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ المِصْرِيَّةِ الحَدِيثَةِ، نَتَقَدَّمُ بِأَسْمَى آيَاتِ التَّهْنِئَةِ وَالتَّقْدِيرِ لِأَبْنَاءِ وِزَارَةِ الخَارِجِيَّةِ، نِسَاءً وَرِجَالًا، الَّذِينَ تَعَاقَبَتْ أَجْيَالُهُمْ بِإِخْلَاصٍ وَطَنِيٍّ وَكَفَاءَةٍ مِهْنِيَّةٍ عَالِيَةٍ.
لَقَدْ حَمَلَ هَؤُلَاءِ، عَبْرَ العُصُورِ، رِسَالَةَ مِصْرَ الحَضَارِيَّةَ السَّامِيَةَ، وَكَانُوا خَيْرَ سُفَرَاءَ لِسِيَادَتِهَا العَرِيقَةِ لَدَى دُوَلِ العَالَمِ كَافَّةً وَفِي المَحَافِلِ وَالمُنَظَّمَاتِ الدَّوْلِيَّةِ.
وَفِي هَذِهِ المُنَاسَبَةِ التَّارِيخِيَّةِ المَجِيدَةِ، نَسْتَحْضِرُ بِكُلِّ إِجْلَالٍ وَإِكْبَارٍ أَعْلَامَ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ المِصْرِيَّةِ؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَنَعُوا بِبَصَمَاتِهِمْ الخَالِدَةِ تَارِيخَ المَوَاقِفِ المَصِيرِيَّةِ، مُتَمَنِّينَ لِلْأَجْيَالِ الحَاضِرَةِ وَالمُسْتَقْبَلِيَّةِ دَوَامَ التَّوْفِيقِ فِي إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ، وَنَشْرِ السَّلَامِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالثَّوَابِتِ وَالقِيَمِ الأَصِيلَةِ لِسِيَاسَتِنَا الدَّوْلِيَّةِ.
فَفِي الْخَامِسِ عَشَرَ مِنْ مَارِسَ مِنْ كُلِّ عَامٍ، تَحْتَفِلُ مِصْرُ بِذِكْرَى عَوْدَةِ وِزَارَةِ الْخَارِجِيَّةِ لِمُمَارَسَةِ دَوْرِهَا الْمِحْوَرِيِّ، بِوَصْفِهَا الْمُمَثِّلَ الشَّرْعِيَّ الْوَحِيدَ لِلسِّيَادَةِ الْمِصْرِيَّةِ أَمَامَ الْمُجْتَمَعِ الدَّوْلِيِّ، وَذَلِكَ بَعْدَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْهَيْمَنَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ عَلَى صُنْعِ الْقَرَارِ الْخَارِجِيِّ.
إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ الْمَشْهُودَ لَا يُمَثِّلُ مُجَرَّدَ مُنَاسَبَةٍ وَظِيفِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ عِيدٌ حَقِيقِيٌّ مِنْ أَعْيَادِ الِاسْتِقْلَالِ الْوَطَنِيِّ، وَتَجْسِيدٌ حَيٌّ لِاسْتِرْدَادِ الْإِرَادَةِ السِّيَادِيَّةِ الْحُرَّةِ.
وَرِغْمَ أَنَّ هَذَا الِاحْتِفَالَ ظَلَّ لِعُقُودٍ مَحْصُورًا دَاخِلَ أَرْوِقَةِ الدِّيوَانِ الْعَامِّ لِلْوِزَارَةِ، إِلَّا أَنَّ السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةَ شَهِدَتِ اهْتِمَامًا رِئَاسِيًّا وَشَعْبِيًّا بَالِغًا بِإِحْيَاءِ هَذَا الْإِرْثِ التَّلِيدِ؛ تَكْرِيمًا لِرُمُوزٍ شَامِخَةٍ ثَبَّتُوا أَرْكَانَ مَكَانَةِ مِصْرَ الدَّوْلِيَّةِ، بَدْءًا مِنْ جِيلِ الْعَمَالِقَةِ الْكِبَارِ:
- الدُّكْتُور مَحْمُود فَوْزِي
- مَحْمُود رِيَاض
- مُرَاد غَالِب
- إِسْمَاعِيل فَهْمِي
- مُحَمَّد إِبْرَاهِيم كَامِل
- مُحَمَّد حَسَن الزَّيَّات
- كَمَال حَسَن عَلِي
- مُصْطَفَى خَلِيل
- عِصْمَت عَبْد المَجِيد
- بُطْرُس غَالِي
- عَمْرُو مُوسَى
- أَحْمَد مَاهِر
- نَبِيل العَرَبِيّ
- أُسَامَة البَاز
- سَامِح شُكْرِي.
وُصُولًا إِلَى وَزِيرِ الْخَارِجِيَّةِ الْحَالِيِّ الدُّكْتُورِ بَدْرِ عَبْدِ الْعَاطِي، الَّذِي يَقُودُ دِفَّةَ الْمَدْرَسَةِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ فِي الْمَرْحَلَةِ الرَّاهِنَةِ بِكُلِّ كَفَاءَةٍ وَاقْتِدَارٍ.
وَعِنْدَ الْبَحْثِ عَنِ الْمَنَابِعِ الْحَضَارِيَّةِ لِلْعَقْلِ الدِّبْلُومَاسِيِّ، نَكْتَشِفُ أَنَّ الْخَارِجِيَّةَ الْمِصْرِيَّةَ لَيْسَتْ نَبْتَةً حَدِيثَةً أَوْ وَلِيدَةَ الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ، بَلْ هِيَ امْتِدَادٌ لِإِرْثٍ سِيَاسِيٍّ عَرِيقٍ يَمْتَدُّ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ.
فَفِي عُمْقِ التَّارِيخِ، صِيغَتْ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ “مُعَاهَدَةُ قَادِشَ” (حَوَالَيْ عَامِ 1258 قَبْلَ الْمِيلَادِ) بَيْنَ الْمَلِكِ رَمْسِيسَ الثَّانِي وَالْمَلِكِ الْحَيْثِيِّ حَاتُوشِيلِي الثَّانِي، لِتُسَجَّلَ كَأَوَّلِ اتِّفَاقِيَّةِ سَلَامٍ مَكْتُوبَةٍ وَمُوَثَّقَةٍ فِي التَّارِيخِ الْإِنْسَانِيِّ.
لَقَدْ نَصَّتْ هَذِهِ الوَثِيقَةُ الخَالِدَةُ عَلَى مَبَادِئَ جَوْهَرِيَّةٍ تُمَثِّلُ رُوحَ القَانُونِ الدَّوْلِيِّ الحَدِيثِ؛ مِثْلَ: عَدَمِ الِاعْتِدَاءِ، وَاحْتِرَامِ الحُدُودِ المُشْتَرَكَةِ، وَالتَّحَالُفِ الدِّفَاعِيِّ.
لَمْ تَكُنْ “قَادِشُ” مُجَرَّدَ صَكٍّ لِإِنْهَاءِ حَرْبٍ دَامِيَةٍ، بَلْ كَانَتْ إِعْلَانًا مُبَكِّرًا عَنْ عَبْقَرِيَّةِ العَقْلِ السِّيَاسِيِّ المِصْرِيِّ، القَادِرِ عَلَى تَحْوِيلِ التَّوَازُنَاتِ العَسْكَرِيَّةِ إِلَى تَسْوِيَاتٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ. وَقَدْ تَعَزَّزَ هَذَا الِاسْتِقْرَارُ بِمُصَاهَرَةٍ مَلَكِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ مَعَ الأَمِيرَةِ الحَيْثِيَّةِ «مَاتْ حُورْ نَفْرُو رَع»، مِمَّا أَكَّدَ لِلْعَالَمِ أَنَّ السَّلَامَ الحَقِيقِيَّ يَقُومُ عَلَى بِنَاءِ المَصَالِحِ المُشْتَرَكَةِ لَا عَلَى قُوَّةِ السِّلَاحِ وَحْدَهَا.
وَفِي الْعُصُورِ الْإِسْلَامِيَّةِ، جَسَّدَ الْقَائِدُ صَلَاحُ الدِّينِ الْأَيُّوبِيُّ هَذَا الْمَفْهُومَ الِاسْتْرَاتِيجِيَّ الْحَيَوِيَّ؛ إِذْ أَدْرَكَ بِعُمْقٍ أَنَّ تَحْرِيرَ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ (عَامَ 1187م) لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ إِلَّا بِرَبْطِ مِصْرَ بِالشَّامِ وَإِنْهَاءِ حَالَةِ الِانْقِسَامِ، وَاضِعًا بِذَلِكَ مِعْيَارًا جَدِيدًا لِلْأَمْنِ الْإِقْلِيمِيِّ الْمُشْتَرَكِ.
وَمَعَ صُعُودِ مُحَمَّدِ عَلِي بَاشَا إِلَى سُدَّةِ الْحُكْمِ، أُعِيدَ تَعْرِيفُ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ الْمِصْرِيِّ بِمَنْظُورٍ جِيُوسِيَاسِيٍّ يَتَجَاوَزُ الْحُدُودَ الْجُغْرَافِيَّةَ التَّقْلِيدِيَّةَ.
فَلَمْ تَكُنْ حَمَلَاتُهُ نَحْوَ السُّودَانِ وَأَعَالِي النِّيلِ مُجَرَّدَ تَوَسُّعٍ عَسْكَرِيٍّ مَحْضٍ، بَلْ كَانَتْ مَشْرُوعًا سِيَادِيًّا لِحِمَايَةِ شِرْيَانِ الحَيَاةِ المَائِيِّ لِمِصْرَ. وَقَدْ سَاهَمَتْ بَعَثَاتُ القُبْطَانِ سَلِيم بَاشَا فِي رَسْمِ خَرَائِطَ دَقِيقَةٍ لِلنِّيلِ الأَبْيَضِ، وَتَأْسِيسِ الخَرْطُومِ كَقَاعِدَةٍ حَيَوِيَّةٍ لِلنُّفُوذِ المِصْرِيِّ.
وَلَمْ يَقْتَصِرْ هَذَا الْحُضُورُ الْمِصْرِيُّ الْفَاعِلُ عَلَى الْمِنْطَقَةِ الْفَرْعِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ وَصَلَ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ الْمَكْسِيكِ عَامَ 1863م، عِنْدَمَا أَرْسَلَ الْخِدِيوِي إِسْمَاعِيلُ كَتِيبَةً مِصْرِيَّةً سُودَانِيَّةً بِنَاءً عَلَى طَلَبٍ دَوْلِيٍّ، مُؤَكِّدًا جَاهِزِيَّةَ مِصْرَ لِتَلْبِيَةِ النِّدَاءِ الدَّوْلِيِّ.
وَمَعَ اشْتِدَادِ التَّكَالُبِ الِاسْتِعْمَارِيِّ الْأُورُوبِّيِّ، وَبَعْدَ فَشَلِ نَابُلْيُونَ بُونَابَرْتَ فِي اقْتِحَامِ أَسْوَارِ عَكَّا، بَدَأَتْ تَتَبَلْوَرُ الْمَشَارِيعُ الِاسْتِعْمَارِيَّةُ لِزَرْعِ كِيَانٍ غَرِيبٍ يَفْصِلُ الْمَشْرِقَ الْعَرَبِيَّ عَنْ مَغْرِبِهِ، لِتَدْخُلَ الْمِنْطَقَةُ بِأَكْمَلِهَا فِي أَتُونِ صِرَاعَاتٍ جِيُوسِيَاسِيَّةٍ مُمْتَدَّةٍ.
لَقَدْ عَانَتْ مِصْرُ خِلَالَ الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ مِنِ اسْتِنْزَافٍ بِرِيطَانِيٍّ هَائِلٍ لِمَوَارِدِهَا الِاقْتِصَادِيَّةِ، وَهُوَ مَا نَتَجَتْ عَنْهُ “الْأَرْصِدَةُ الْإِسْتِرْلِينِيَّةُ” الَّتِي بَلَغَتْ 400 مِلْيُونِ جُنَيْهٍ إِسْتِرْلِينِيٍّ؛ وَهِيَ لَمْ تَكُنْ قُرُوضًا قَدَّمَتْهَا بَالِغَةُ السَّخَاءِ، بَلْ كَانَتْ حُقُوقًا مِصْرِيَّةً مَشْرُوعَةً جُمِّدَتْ بِفِعْلِ سِيَاسَاتِ الِاحْتِلَالِ.
ثُمَّ انْدَلَعَتْ ثَوْرَةُ 23 يُولْيُو 1952 بِقِيَادَةِ الزَّعِيمِ الرَّاحِلِ خَالِدِ الذِّكْرِ الرَّئِيسِ جَمَالِ عَبْدِ النَّاصِرِ، لِتُطَهِّرَ البِلَادَ تَمَامًا مِنَ الوُجُودِ العَسْكَرِيِّ الأَجْنَبِيِّ.
وَتَحَوَّلَتْ القَاهِرَةُ عَلَى الفَوْرِ إِلَى عَاصِمَةٍ لِحَرَكَاتِ التَّحَرُّرِ العَالَمِيِّ، وَمُؤَسِّسٍ رَئِيسِيٍّ لِـ “حَرَكَةِ عَدَمِ الِانْحِيَازِ” وَ”مُنَظَّمَةِ الوَحْدَةِ الإِفْرِيقِيَّةِ”.
لَقَدِ اسْتَطَاعَ الرَّئِيسُ عَبْدُ النَّاصِرِ بِنَاءَ شَبَكَةِ عَلَاقَاتٍ دَوْلِيَّةٍ رَاسِخَةٍ مَعَ قَادَةٍ تَارِيخِيِّينَ عِظَامٍ مِثْلَ: نِهْرُو، وَتِيتُو، وَنْكْرُومَا، انْطِلَاقًا مِنْ رُؤْيَةٍ حَصِيفَةٍ تَرَى أَنَّ اسْتِقْرَارَ الْقَارَّةِ الْإِفْرِيقِيَّةِ هُوَ الْعُمْقُ الِاسْتْرَاتِيجِيُّ الْأَمْتَنُ لِلْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ الْمِصْرِيِّ.
وَهَذَا الْإِرْثُ هُوَ مَا جَعَلَ الْقَاهِرَةَ الْيَوْمَ وَاحِدَةً مِنْ أَكْبَرِ عَوَاصِمِ الْعَالَمِ احْتِضَانًا لِلْبَعَثَاتِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ.
وَثَمَّةَ حَقِيقَةٌ رَاسِخَةٌ لَا تَرَفَ فِيهَا، وَهِيَ أَنَّ الدِّبْلُومَاسِيَّةَ المِصْرِيَّةَ تُوَاجِهُ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ خِطَابًا إِعْلَامِيًّا سَطْحِيًّا يَدَّعِي أَنَّ الوِزَارَةَ تُمَثِّلُ عِبْئًا مَالِيًّا عَلَى الدَّوْلَةِ.
لَكِنَّ الأَرْقَامَ الدَّقِيقَةَ وَالمُوَثَّقَةَ تَدْحَضُ هَذِهِ الِادِّعَاءَاتِ تَمَامًا فَالتَّمْثِيلُ الْأَجْنَبِيُّ مُقَابِلَ الْمِصْرِيِّ يَكْشِفُ عَنْ أَنَّ السَّفَارَةَ الْأَمْرِيكِيَّةَ فِي الْقَاهِرَةِ وَحْدَهَا نَحْوَ 320 دِبْلُومَاسِيًّا، بَيْنَمَا كُلُّ أَعْضَاءِ السَّلْكِ الدِّبْلُومَاسِيِّ الْمِصْرِيِّ الْمُمَثِّلِينَ لِلْوَطَنِ فِي الْخَارِجِ كَافَّةً لَا يَتَجَاوَزُ 500 عُضْوٍ.
وَفِي الرِّيَاضِ يَقُومُ 12 دِبْلُومَاسِيًّا مِصْرِيًّا فَقَطْ بِرِعَايَةِ وَخِدْمَةِ نَحْوِ 3 مَلَايِينَ مُوَاطِنٍ، بَيْنَمَا مَبْنَى السَّفَارَةِ السُّعُودِيَّةِ الضَّخْمُ فِي الْقَاهِرَةِ يَخْدُمُ أَقَلَّ مِنْ 4 آلَافِ مُوَاطِنٍ سُعُودِيٍّ.
وَيُقَدَّرُ عَدَدُ المِصْرِيِّينَ فِي الخَارِجِ بِنَحْوِ 11 مَلْيُونَ مُوَاطِنٍ يُحَوِّلُونَ سَنَوِيًّا زُهَاءَ 40 مِلْيَارَ دُولَارٍ، بَيْنَمَا تَرْفِدُ المُتَحَصَّلَاتُ القُنْصُلِيَّةُ خَزِينَةَ الدَّوْلَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ مِلْيَارِ دُولَارٍ سَنَوِيًّا.
نَتِيجَةٌ: إِنَّ الإِنْفَاقَ عَلَى التَّمْثِيلِ الخَارِجِيِّ لَيْسَ هَدْرًا لِلْمَالِ، بَلْ هُوَ اسْتِثْمَارٌ سِيَادِيٌّ وَاقْتِصَادِيٌّ مُبَاشِرٌ يَحْمِي مَصَالِحَ الدَّوْلَةِ وَالمُوَاطِنِينَ.
لَقَدْ أَثْبَتَتِ الْأَيَّامُ صِحَّةَ الرُّؤْيَةِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ لِلدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ؛ فَقَدْ كَانَتْ مِصْرُ سَبَّاقَةً فِي الِانْضِمَامِ إِلَى اتِّفَاقِيَّةِ “الْجَاتِ” عَامَ 1968م (الَّتِي أَصْبَحَتْ لَاحِقًا مُنَظَّمَةَ التِّجَارَةِ الْعَالَمِيَّةِ)، وَكَانَتْ أَوَّلَ دَوْلَةٍ تَعْتَرِفُ بِالصِّينِ الشَّعْبِيَّةِ عَامَ 1955م رَغْمَ كُلِّ الضُّغُوطِ الدَّوْلِيَّةِ الَّتِي مُورِسَتْ عَلَيْهَا آنَذَاكَ.
أَمَّا السَّلَامُ الَّذِي أَعْقَبَ “مُعَاهَدَةَ كَامْب دِيفِيدَ”، فَقَدْ نَجَحَ فِي اسْتِعَادَةِ كَامِلِ التُّرَابِ الوَطَنِيِّ المُقَدَّسِ، وَأَتَاحَ لِلدَّوْلَةِ التَّفَرُّغَ لِمَعَارِكِ البِنَاءِ وَالتَّنْمِيَةِ، فِي الوَقْتِ الَّذِي غَرِقَتْ فِيهِ أَقَالِيمُ وَدُوَلٌ أُخْرَى فِي فَوْضَى الصِّرَاعَاتِ المُسَلَّحَةِ وَالِانْقِسَامَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ.
وَهَذَا يَدُلُّ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ عَلَى العَبْقَرِيَّةِ الِاسْتِشْرَافِيَّةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَصِحَّةِ الخِيَارَاتِ الَّتِي اتَّخَذَتْهَا القِيَادَاتُ المِصْرِيَّةُ المُتَعَاقِبَةُ، حَتَّى وَإِنْ شَابَتْ بَعْضَ المَرَاحِلِ هَنَاتٌ صَغِيرَةٌ لَا تُذْكَرُ.
وَخِتَامًا لِكُلِّ مَا سَبَقَ، نُؤَكِّدُ أَنَّ الدِّبْلُومَاسِيَّةَ المِصْرِيَّةَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا مُجَرَّدَ مَرَاسِمَ بُرُوتُوكُولِيَّةٍ جَامِدَةٍ، بَلْ هِيَ مَلْحَمَةُ تَارِيخٍ تَلِيدٍ، يَذُودُ عَنْ سِيَادَةِ الوَطَنِ بِحِكْمَةٍ صَاغَتْ مَفَاهِيمَ السَّلَامِ مُنْذُ فَجْرِ الحَضَارَةِ البَشَرِيَّةِ.
إِنَّهَا الْحِصْنُ الْمَنِيعُ الَّذِي يُدِيرُ التَّوَازُنَاتِ الْجِيُوسِيَاسِيَّةَ بِاقْتِدَارٍ، وَيَمْتَشِقُ السِّيَاسَةَ دِرْعًا لِحِمَايَةِ الْمَصَالِحِ الْعُلْيَا لِلْبِلَادِ فِي أَعَاتِي الْأَزَمَاتِ. لِذَا، فَإِنَّ اسْتِيعَابَ عُمْقِ هَذِهِ الْمُؤَسَّسَةِ الْعَرِيقَةِ، وَتَقْدِيرَ رِسَالَتِهَا الرِّيَادِيَّةِ، هُوَ وَاجِبٌ وَطَنِيٌّ مُقَدَّسٌ؛ وَفَاءً لِمَدَارِسَ دِبْلُومَاسِيَّةٍ مُلْهِمَةٍ، جَعَلَتْ مِنَ الْعَقْلِ الرَّاجِحِ وَالتَّفَاوُضِ الرَّصِينِ صِمَامَ أَمَانٍ لِلسِّيَادَةِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ وَتَعَاقُبِ الْأَجْيَالِ. - الباحث في الشؤون السياسية.










