عَبَرْتُ أَخِيرًا صِرَاطَ التَّجْرِبَةِ،
كَانَ العَالَمُ كُلُّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُقْنِعَنِي بِأَنَّ الِانْحِنَاءَ حِكْمَةٌ،وَأَنَّ تَبْدِيلَ الوُجُوهِ لَبَاقَةٌ،وَأَنَّ المَبْدَأَ لَا يُطْعِمُ الخُبْزَ.
كَانُوا يَرْمُونَ عَلَيَّ كَلِمَاتِهِمْ مِثْلَ مَعَاطِفَ فَاخِرَةٍ،وَيَطْلُبُونَ مِنِّي أَنْ أَخْلَعَ جِلْدِي.
حَاصَرُونِي بِالنَّصَائِحِ المُزَيَّفَةِ،وَبِالِابْتِسَامَاتِ المُسْتَذْئِبَةِ،وَبِالأَبْوَابِ الَّتِي لَا تُفْتَحُ إِلَّا لِمَنْ تَرَكَ ضَمِيرَهُ خَارِجَ العَتَبَةِ.
كُنْتُ أَسْمَعُ الضَّجِيجَ كُلَّهُ،لَكِنَّ فِي دَاخِلِي كَانَ ثَمَّةَ صَوْتٌ صَغِيرٌأَشَدُّ صَلَابَةً مِنَ الحَدِيدِ.
تَقَدَّمُوا نَحْوِي،وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ، يَحْمِلُ كُلٌّ مِنْهُمْ قِنَاعًا جَدِيدًا،يُرَدِّدُ بِصَوْتٍ دَائِرِيٍّ «كُونِي مِثْلَنَا…لِتَنْجِي…»
لَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ النَّجَاةَ الَّتِي تُولَدُ مِنَ الخِيَانَةِغَرَقٌ مُؤَجَّلٌ.
أَحْكَمْتُ قَبْضَتِي عَلَى الفِكْرَةِ الَّتِي سَكَنَتْنِي مُنْذُ البِدَايَةِ،كَأَنَّنِي أَتَمَسَّكُ بِآخِرِ شَجَرَةٍفِي طُوفَانٍ مِنَ الأَقْنِعَةِ.
تَكَسَّرَتْ حَوْلِي الوُعُودُ،وَتَنَاثَرَتِ المَصَالِحُ،وَسَقَطَتِ الأَصْوَاتُ كَأَوْرَاقٍ يَابِسَةٍ.
لَكِنَّنِي لَمْ أَسْقُطْ.كُنْتُ أَقِفُ دَاخِلَ نَفْسِي.
وَحِينَ انْتَهَتِ المَعْرَكَةُ،لَمْ أَحْمِلْ غَنِيمَةً،وَلَا مَنْصِبًا،وَلَا تَصْفِيقًا.
عُدْتُ فَقَطْ…
رَفَعْتُ رَأْسِي بِهُدُوءٍ،وَرَأَيْتُ وَجْهِي مَا يَزَالُ يَعْرِفُنِي.
فَابْتَسَمْتُ…










