في هذا المقتطف من رواية خرائط لا تعود ينجح الأديب والمستشار بهاء المري في ملامسة منطقة إنسانية شديدة الحساسية، تتعلق بعلاقة الإنسان بالمكان والذاكرة والانتماء. فالنص لا يتحدث عن غيابٍ عابر أو فقدٍ مؤقت، بل عن ذلك النوع من الغياب الذي يعيد تشكيل الواقع حتى يبدو الماضي وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
تتجلى قوة المقطع في فكرته الفلسفية العميقة؛ إذ يشير إلى أن الخسارة الحقيقية لا تكمن في فقدان المكان فحسب، بل في فقدان الشاهد الذي يثبت أننا مررنا من هناك يومًا. وهي رؤية تتجاوز المعنى المادي للمكان إلى معناه الوجداني والرمزي، حيث يصبح الوجود الإنساني ذاته مهددًا بالمحو حين تتلاشى آثاره من الذاكرة.
أما الصورة السردية في قوله: “الذاكرة، مثل شجرة اقتلعت من جذورها” فتُعد من أجمل صور النص وأكثرها تأثيرًا. فالشجرة المقتلعة قد تبقى قائمة لبعض الوقت، لكنها تفقد قدرتها على النمو والإثمار، تمامًا كما تفقد الذاكرة حيويتها حين تنفصل عن مصادرها الأولى. إنها استعارة موفقة تختزل معنى الاغتراب الداخلي والانفصال عن الجذور.
كما يتسم المقتطف بلغة هادئة ومتأملة، بعيدة عن الانفعال المباشر، وهو ما يمنحه بعدًا إنسانيًا وفلسفيًا أوسع. فالكاتب لا يصف حدثًا بعينه، بل يفتح أمام القارئ مساحة للتأمل في تجاربه الشخصية مع الفقد والحنين وتبدل الأمكنة.
إنه نص يثبت قدرة الروائي على تحويل المشاعر الإنسانية المعقدة إلى صور سردية شفافة وعميقة، تجعل القارئ يرى في الذاكرة أكثر من مجرد مستودع للماضي؛ يراها وطنًا داخليًا، وكلما ابتعد الإنسان عن جذوره، خشي أن يفقد الطريق إلى نفسه.
قراءة نقدية بقلم الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد
وكان أكثر ما يربكه أن الغياب لا يترك دائمًا فراغًا واضحًا؛ فكثيرا ما يملأ مكانه شيء جديد بسرعة، حتى يبدو كأن القديم لم يكن موجودًا أصلًا. عندها لا يخسر الإنسان المكان وحده، بل يخسر الدليل الذي يثبت أنه عاش فيه يومًا.
وشعر أن الذاكرة، مثل شجرة اقتلعت من جذورها، قد تظل واقفة في الداخل زمنًا طويلًا، لكنها تفقد قدرتها على الإثمار كلما ابتعدت عن تربتها الأولى.
خرائط لا تعود – رواية.










