قراءة نقدية في نص “وماذا أكتب” للشاعر أحمد بشار الحلاق
ثمة نصوص لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالارتباك. نصوص تقف فيها اللغة على حافة عجزها، وتبدو الكلمات أقل من أن تحمل ما يعتمل في الروح من شوق ولهفة واحتراق. ومن هذا الأفق الوجداني يطل نص “وماذا أكتب” للشاعر أحمد بشار الحلاق، ليقدم تجربة عشق تتجاوز حدود التعبير المألوف إلى منطقة تتصارع فيها الرغبة مع اللغة، والحضور مع الغياب، والحياة مع الاحتراق.
يفتتح الشاعر نصه بسؤال وجودي بسيط في ظاهره وعميق في دلالته:
“وماذا أكتب… وكيف أمسك يراعي”
إنه سؤال الشاعر الأبدي أمام التجربة الكبرى. فحين يبلغ الإحساس ذروته، تصبح اللغة عاجزة عن احتوائه، وتتحول الكتابة من فعل إبداع إلى معاناة حقيقية. لذلك تأتي الإجابة ضمنية منذ البداية؛ فاسم الحبيبة نفسه يتمرد على الأبجديات، وكأن اللغة البشرية بكل قاموسها لم تعد قادرة على استيعاب هذا الحضور الطاغي.
وفي قوله:
“وحروف اسمكِ تتمرد على كل الأبجديات”
نجد صورة شعرية تنقل المحبوبة من دائرة الواقع إلى دائرة الاستثناء. فهي ليست اسمًا بين الأسماء، بل حالة عصية على التصنيف، تتجاوز حدود الحروف والمعاني الجاهزة.
ويستمر التصاعد العاطفي حين يجعل الشاعر السطور تحترق بمجرد ملامسة مداد الأمنيات لها. وهنا تتجلى مفارقة فنية جميلة؛ فالأمنية التي يُفترض أن تكون باعثة للحياة تتحول إلى نار، وكأن الشوق بلغ من القوة حدَّ إعدام أدوات التعبير نفسها.
أما في المقاطع التالية، فيدخل النص منطقة أكثر جرأة وحرارة، حيث يتحول العناق إلى حلم مستحيل، وتصبح الحبيبة مصدرًا للجاذبية والافتتان والاحتراق معًا. فالشفاه “خمر” يصطاد الأنفاس، والنهد “جمر” يثور كبركان لا يعرف السكون. وهي صور تنتمي إلى الحقل الحسي، لكنها لا تُقدَّم بوصفها وصفًا جسديًا مباشرًا، بل بوصفها امتدادًا لعاصفة العشق التي تسيطر على وجدان الشاعر.
غير أن أجمل ما في النص يكمن في انتقاله من الجسد إلى القصيدة نفسها. ففي قوله:
“كيف لها أن تولد الحروف أشعاراً؟
ورحم القصيدة دموعاً
والولادة منه ممات”
يتحول الإبداع إلى تجربة مخاض مؤلمة. فالقصيدة هنا ليست نصًا يُكتب، بل كائن يولد من الدموع، ويخرج إلى الحياة عبر بوابة الألم. إنها رؤية تجعل الشعر قريبًا من الفلسفة الوجودية التي ترى أن أعظم الإبداعات تنبثق من الجراح العميقة.
وتبلغ المفارقة ذروتها في الخاتمة:
“كيف لنا أن نسقي الحب فوق السطور ناراً ليرتوي؟
وبالنار وحدها تموت الصفحات”
فالحب الذي يمنح الحياة هو ذاته الذي يهددها. والنار التي تشعل القصيدة هي نفسها التي قد تحرقها. وهنا يضعنا الشاعر أمام إحدى أعقد ثنائيات العشق: فكل ما يمنحنا القدرة على الإبداع قد يكون في الوقت نفسه سببًا في هلاكنا.
إن نص “وماذا أكتب” ليس قصيدة حب تقليدية، بل هو رحلة داخل مختبر العاطفة المشتعلة، حيث تتحول اللغة إلى ساحة صراع بين الرغبة في البوح واستحالة البوح الكامل. وقد نجح أحمد بشار الحلاق في بناء عالم شعري مشحون بالصور الحسية والرموز الوجدانية والمفارقات الدلالية، ليقدم نصًا تتداخل فيه النار بالحبر، والدموع بالقصيدة، والحب بالموت، حتى يغدو العشق نفسه سؤالًا مفتوحًا لا يملك الشاعر له جوابًا سوى المزيد من الشعر.
=========/=///==///////======
النص
( وماذا أكتبُ )
وماذا أكتبُ …
وكيف أمسكُ يراعي
و حروفُ اسمكِ
تتمردُ على
كـلِ الأبجدياتْ …
والسطور ما تلبثُ
أن تحترق
حين يُلامسها
مِدادُ الأمنياتْ ..
كيفَ أشتهي رسمَ
العناقَ وشفاهُكٍ
خمرٌ …
تصطادُ أنفاسي
ليلة العيدِ
و تقتلها كالأضحياتْ …
كيف أشتهي رسمَ
العناقِ والنهدُ
جمرٌ ..
يثورُ بالصـدرِ
كالبـركانِ
لا يعرفُ الثباتْ …
كيف لها أن تولد
الحروفَ أشعاراً؟
و رحم القصيدة
دموعاً
والولادة منهُ مماتْ …
كيف لنا أن نسقي
الحب فوق السطورِ
ناراً ليرتوي ؟؟
وبالنار وحدها
تموت الصفحاتْ …
عندما يؤمن البنفسج .. أحمد بشار الحلاق











