قلبُ المرأةِ مدينةٌ مقدسةٌ، شغلتْ عقولَ الرجالِ، وأرّقتْ ألبابَهم، وظلوا يبحثونَ عن مفاتيحِها وأقفالِها للفوزِ بمستقرٍ آمنٍ فيها، وبوطنٍ دافئٍ بين جنباتِها. يخفي هذا القلبُ وراءَ كلِ نبضةٍ من نبضاتِهِ لغزاً محيراً، وسراً مستتراً تبارتْ على تفسيرِهِ عقولٌ وأقلامٌ، وتسابقتْ في فكِ رموزِهِ أفهامٌ.
فكانتِ المرأةُ في نظرِهم لؤلؤةً ثمينةً تحتاجُ إلى صيادٍ ماهرٍ، وغواصٍ صابرٍ، أو قلعةً منيعةً لا تتهاوى حصونُها ولا تتزحزحُ أسوارُها سوى أمامَ سهمِ الحبِ، وردةً في برعمِها لا تتفتحُ سوى للحبيبِ الرفيقِ، والزوجِ الشفيقِ.
فهي لم تُخلقْ لتكونَ محطَ إعجابِ الرجالِ جميعاً، بل لتكونَ مصدرَ سعادةِ رجلٍ واحدٍ، ومنبعَ هناءِ فارسٍ وحيدٍ.
فهي مثلُ العشبِ الناعمِ ينحني أمامَ النسيمِ برفقٍ ولينٍ، ولكنهُ لا ينكسرُ للعاصفةِ ولا يهزمُ للريحِ.
فعندما تحبُ المرأةُ فكلُ ما يراهُ الناسُ فيكَ عيوباً تراهُ هي مزايا، وهي تبحثُ دائماً عن إنسانٍ كاملِ الرجولةِ، تامِ المروءةِ، بالرغمِ من أنها تتمتعُ بأنوثةٍ فائقةٍ، وعاطفةٍ جياشةٍ، إلا أنها بحاجةٍ إلى ساحةِ قتالٍ وتحديٍ، وميدانِ سعيٍ وجدٍ، واهتماماتٍ من نوعٍ آخرَ تُلهمُها وتُحيها، وتدفعُها إلى الأمامِ نحوَ هدفٍ أو قضيةٍ.
المرأةُ إذا أشبعتَها إطراءً فزتَ بعاطفَتِها، وإن تجاهلتَها فقدتَها إلى الأبدِ..وهي تصبو إلى الاحترامِ في العلاقةِ، وإبقاءِ مسافةٍ من الغموضِ بينكَ وبينها، فهي تحبُكَ بكلِ أخطائِكَ وهفواتِكَ لأنها واقعيةٌ لا تحلقُ في الخيالِ، وعاقلةٌ ترفضُ الأحلامَ والأوهامَ. وليستْ عفويةً في ردودِ فعلِها، ولا ساذجةً في مشاعرِها، ولا تظهرُ لكَ عاطفتَها وحبَها إلا انطلاقاً من واقعيتِها، وتعلقِها بالمحسوسِ الملموسِ.
وهي تستطيعُ الاعتمادَ على نفسِها بدونَ الرجلِ، وتقفُ على قدميها بثباتٍ، ولكنها لا تصمدُ طويلاً أمامَ العواطفِ الرومانسيةِ، ولا تحتملُ الحياةَ بدونِ حبٍ وحنانٍ.
فهي تحلمُ دائماً بذلكَ الفارسِ الكامنِ في خيالِها، وتبحثُ عنهُ في الموسيقى الهادئةِ، أو عندما تسيرُ تحتَ المطرِ وتبللُها قطراتُ الشوقِ.
كما أن النساءَ عاشقاتٌ للضحكِ والابتسامةِ، لما لهُما من أثرٍ فعالٍ في الحفاظِ على جمالِهنَّ، وصحتهنَّ النفسيةِ والجسديةِ.
لذلكَ هي تعشقُ الرجلَ المرحَ، الذي لهُ قدرةٌ فائقةٌ على الإسعادِ، وملَكةٌ على رسمِ البسمةِ على شفاهِ امرأتِهِ، رغمَ ما يقعُ عليهِ من التزاماتٍ وأعباءٍ، وهمومٍ وأنكادٍ. ولكن ثقتَهُ بنفسِهِ، وقدراتِهِ الاجتماعيةِ، وعلاقاتِهِ الإنسانيةِ، وحرصَهُ على إسعادِ من حولِهِ، وحسَّهُ الفكاهيَّ، يُخرجُ امرأتَهُ من عالمِ الحزنِ إلى عالمِ الفرحِ والسرورِ، ومن دياجيرِ الهمِ إلى رياضِ البهجةِ. فلا مجالَ للمللِ، ولا مكانَ للرتابةِ في قاموسِها.
وعندَ وقوعِ المرأةِ في حبِ الرجلِ فإنها تستمتعُ في الحديثِ معهُ حولَ مختلفِ المواضيعِ والأحداثِ، مهما بلغتْ أهميتُها أو انخفضتْ.
فالوقتُ في بعدِهِ لا يكادُ يمضي، والساعاتُ معهُ كأنها دقائقُ وثوانٍ.
وكذلكَ الرجلُ الكريمُ فهو مطلبٌ لا يمكنُ أن تتخلى عنهُ المرأةُ، ولا تساومُ عليهِ.
وقديماً قالوا: “الكريمُ يغطي مائةَ عيبٍ وعيبٍ”، والكرمُ يتعدى المالَ، لأن الكريمَ بقلبِهِ، الكريمَ بأخلاقِهِ، الكريمَ بنبلِهِ. وهي من الصفاتِ المقترنةِ بالرجولةِ، والملازمةِ للشهامةِ.
وتضيقُ المرأةُ زرعاً بالرجلِ الصامتِ الذي لا يعبرُ عن مشاعرِهِ، ولا يطربُ سمعَها بكلماتِ الإطراءِ والغزلِ، ولا يملأُ حياتَها الزوجيةَ بمفرداتِ الحبِ والهيامِ، وعباراتِ الودِ والغرامِ.
وتعجبُ المرأةُ بالرجلِ الذي لا يُلقي بالاً إلى غيرِها من النساءِ مهما كانتْ فتنتُهنَّ وزينتُهنَّ، إذ تشعرُ بأنهُ شخصيةٌ قويةٌ، وإرادةٌ صلبةٌ. وأنهُ أكبرُ من أن يُفتنَ بامرأةٍ هي أساساً تسعى لأن تكونَ محطَ نظرهِ ونظرِ أمثالِهِ من الرجالِ. فإن لم يُلقِ لها بالاً كبرَ في عينيها، فهو الرجلُ الذي يكتفي بزوجتِهِ عن نساءِ العالمِ، و يقنعُ بحلالِهِ عن حرامِ الغيرِ.
المرأةُ تتزوجُ متمنيةً أن تُلقي بأعبائِها على زوجٍ تثقُ بهِ، تضعُ رأسَها على كتفِهِ مطمئنةً وآمنةً، بأن قائدَ المركبةِ يقفُ أمامَ أيِ تيارٍ، يواجهَ أسرتَها بصلابةٍ، ويبحرُ دوماً منشداً غداً أفضلَ، متحلياً بالطموحِ، متطلعاً إلى تحسينِ وضعِهِ الماديِ والثقافيِ، ويأخذُها معهُ في علوِهِ وصعودِهِ ليتقدما سوياً نحوَ الأفضلِ.
والمرأةُ تكرهُ الرجلَ الذي يحاسبُها على أخطائِها الماضيةِ، ولا يكفُ عن التحدثِ عن مساوئِها إن وجدتْ، وكأنَ ماضيَهُ هو لا يعني أحداً، وأن لا حقَ لأحدٍ على محاسبتِهِ عن ذلكَ.
ومتى ركزَ الرجلُ على هفواتِ وأخطاءِ شريكتِهِ، واعتبرَها مدخلاً لتقييمِ حياتِها، ومرتكزاً لمحاسبتِها، وقيمَ علاقتَهُ معها على أساسِ هذه الزاويةِ المظلمةِ دونَ سواها، يكونُ قد جعلَ فكرَهُ وعقلَهُ يغوصانِ في وحلِ مستنقعٍ لن يكونَ الخروجُ منهُ بسهولةٍ ويسرٍ.
كما أن الكذبَ والغموضَ والتصنعَ صفاتٌ تمقتُها المرأةُ، وتتجنبُ صاحبَها، بل يجبُ أن يكونَ كتاباً مفتوحاً يُغنيها عناءَ الاستكشافِ والبحثِ خلفَهُ، ولا يستهويها دورُ الشريكِ الغامضِ، فهي تكرهُ الغموضَ وتملُ البحثَ.
يجبُ على الرجلِ ألا يجعلَ الحبَ مجردَ كلمةٍ فقط متكررةٍ، يسهُلُ عليهِ نطقُها، في الوقتِ الذي يصعبُ عليهِ فهمُها والشعورُ بها. فالحبُ فعلٌ لا قولٌ، وعطاءٌ لا ادعاءٌ، وحياةٌ لا حروفٌ.










