لم يعد السؤال الذى يشغل ملايين الأسر المصرية هو: أى كلية سيلتحق بها الابن؟ بقدر ما أصبح السؤال الأكثر إلحاحا: هل سيجد مكانا فى عالم يتغير أسرع مما نتخيل؟
لسنوات طويلة كانت الشهادة الجامعية تمثل بوابة العبور إلى الوظيفة ورمزا للمكانة الاجتماعية وضمانة لمستقبل يبدو آمنا. كانت الأسرة تحتفل بدخول الابن كلية بعينها أكثر مما تحتفل بما يمتلكه من موهبة أو قدرة على الإبداع. أما اليوم فقد تبدلت قواعد اللعبة. العالم الذى كان يمنح الفرص لأصحاب الشهادات بات يمنحها لأصحاب المهارات وأصبح السؤال الذى يطرحه صاحب العمل ليس: ماذا درست؟ بل: ماذا تستطيع أن تقدم؟ وهنا تكمن المفارقة التى تستحق التوقف. فما زلنا فى كثير من الأحيان نربى أبناءنا بعقلية الأمس بينما المستقبل يكتب قوانينه الجديدة كل يوم. وما زلنا نقيس النجاح باسم الكلية لا بقيمة ما يتعلمه الطالب ولا بقدرته على المنافسة فى سوق عمل لم يعد يعترف بالألقاب وحدها.. لقد تغير العالم بصورة لم يشهدها التاريخ الحديث. فالذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى والتكنولوجيا المتسارعة لم تخلق وظائف جديدة فقط بل ألغت وظائف أخرى كانت حتى وقت قريب تمثل حلما لآلاف الخريجين. وتشير تقارير دولية إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تحولا كبيرًا فى طبيعة المهن حيث ستختفى وظائف تقليدية وستظهر أخرى تعتمد على مهارات لم تكن مطلوبة من قبل. وفى ظل هذا التحول يصبح التمسك بمفاهيم قديمة عن التعليم أشبه بالسير إلى المستقبل بخريطة فقدت صلاحيتها.
المشكلة ليست فى الجامعات ولا فى الطلاب وإنما فى الثقافة التى تحكم نظرتنا إلى التعليم. فما زال كثير من الأسر ينظر إلى التعليم باعتباره نهاية الرحلة بينما الحقيقة أنه لم يعد سوى بدايتها. فالحصول على شهادة لم يعد كافيا لأن التعلم نفسه أصبح عملية مستمرة لا تتوقف عند سن معينة ولا تنتهى بحفل التخرج.. ولعل من أخطر ما نواجهه اليوم هو اتساع الفجوة بين ما يتعلمه بعض الطلاب داخل قاعات الدراسة، وما يحتاجه سوق العمل خارجها. هذه الفجوة لا تعنى أن التعليم بلا قيمة لكنها تعنى أن العالم يتحرك بسرعة أكبر وأن تحديث المناهج وربطها بالتطبيق العملى لم يعد رفاهية بل ضرورة وطنية.. وفى المقابل لا يجوز أيضا أن نحمل المؤسسات التعليمية وحدها كامل المسؤولية. فالمجتمع شريك فى صناعة هذه الأزمة. عندما ننظر إلى التعليم الفنى أو التكنولوجى نظرة أقل تقديرا من التعليم الجامعى التقليدى فإننا نرسخ مفاهيم لم تعد تتفق مع الواقع. فكم من شاب يمتلك حرفة أو مهارة تقنية يحقق دخلا يفوق كثيرا من أصحاب المؤهلات العليا ليس لأن الشهادة فقدت قيمتها ولكن لأن المهارة أصبحت لغة العصر.
وليس المقصود من ذلك التقليل من قيمة الجامعة فهى ستظل مؤسسة لصناعة المعرفة والعقول لكن المطلوب أن تتحول من مكان يمنح شهادة إلى بيئة تصنع الكفاءة. فالجامعة التى تكتفى بالمحاضرات والحفظ ستخرج خريجا يحمل ورقة أما الجامعة التى تزرع التفكير وتفتح أبواب التدريب وتربط الطالب بسوق العمل فهى التى تصنع مستقبلا ولعلنا بحاجة أيضا إلى مراجعة مفهوم النجاح نفسه. فليس النجاح أن يحصل الطالب على أعلى الدرجات ثم يقف بعد سنوات فى طابور الباحثين عن فرصة وإنما النجاح أن يمتلك القدرة على التعلم المستمر والتكيف مع المتغيرات وابتكار الحلول والعمل ضمن فريق والتواصل مع العالم بلغة العصر.. لقد أصبحت المنافسة اليوم عالمية ولم يعد الخريج ينافس زميله فى مدينته فقط، بل ينافس شبابا من قارات مختلفة يمتلكون المهارة نفسها ويتحدثون أكثر من لغة ويطورون أنفسهم باستمرار. ومن هنا فإن الاستثمار الحقيقى لم يعد فى الشهادة وإنما فى الإنسان القادر على تطوير نفسه كل يوم.. إن الدولة تبذل جهودًا كبيرة فى تطوير منظومة التعليم والتوسع فى الجامعات التكنولوجية وربط التعليم باحتياجات التنمية لكن نجاح هذه الجهود يحتاج إلى شريك أساسى، هو المجتمع. فحين يقتنع ولى الأمر بأن مستقبل ابنه لا يتوقف على اسم الكلية بل على ما يمتلكه من كفاءة، سنكون قد قطعنا نصف الطريق نحو التغيير.. إن العالم لا ينتظر المترددين ولا يمنح فرصا دائمة لمن يكتفى بما تعلمه قبل سنوات. ولذلك فإن أعظم هدية يمكن أن نقدمها لأبنائنا ليست شهادة يعلقونها على الجدار وإنما عقل قادر على التعلم، وشخصية تؤمن بالعمل وروح لا تخشى التغيير.
وفى النهاية ربما آن الأوان أن نغير السؤال الذى ظل يتردد لعقود. فبدلا من أن نسأل أبناءنا:إلى أى كلية ستلتحق؟ لنسألهم: أى قيمة ستضيفها إلى وطنك؟ وما المهارة التى ستجعلك قادرا على صناعة مستقبلك؟
فالأوطان لا تبنى بعدد الشهادات المعلقة على الجدران وإنما بعدد العقول القادرة على الابتكار وعدد الأيدى التى تتقن العمل وعدد الشباب الذين يؤمنون بأن المستقبل لا يمنحه أحد، بل يصنعه من يستعد له قبل أن يصل. فما بعد الجامعة لم يعد محطة انتظار لوظيفة بل أصبح بداية رحلة جديدة عنوانها التعلم المستمر والعمل المتقن والقدرة على المنافسة فى عالم لا يعترف إلا بمن يملك المعرفة والمهارة معا.










