كتب عادل ابراهيم
ياله من مشهد تتدافع معه الأفكار، ويثير تساؤلات من كل حدب وصوب. لقد فعلها الفراعنة، وكذلك الرومان؛ فإذا تجولت في أجزاء من الصحراء الشرقية، ستجد نفسك أمام البراهين الجلية، لا سيما إن كنت تعرف ما تبحث عنه. خذ مثلا آثار القطْع، التي تصاحبها أحيانا بقايا رماد، والتي تميز مواقع المناجم الحِرفية القديمة. وإذا حلقت فوق هذا الامتداد الشاسع من الصخور والرمال، يمكنك حرفيا رسم خرائط للمعالم الخاصة بمواقع العمل القديمة، التي غذت اقتصاد الذهب في مصر، بدءا من حواضر عصر ما قبل الأسرات في الألفية الرابعة قبل الميلاد، وحتى عهد آخر الفراعنة.
إذ إن ثلاثة آلاف عام من التنقيب جعلت الذهب ركيزة للثروة الفرعونية وأداة للقوة المصرية في الخارج، مما جعل المملكة، بحلول عصر الدولة الحديثة (1550-1070 قبل الميلاد)، القوة العظمى للذهب في أواخر العصر البرونزي. ولطالما كتب الملوك الأجانب إلى الفرعون يشكون من أن الذهب في مصر كان وفيرا مثل التراب. ولذلك، لم يكن مستغربا أن تُرسم أقدم خريطة جيولوجية معروفة في العالم في عهد رمسيس الرابع، تقريبا في عام 1150 قبل الميلاد.
ومع مرور الزمن، هُجرت عروق المعدن النفيس التي استغلها الفراعنة لكنها لم تنفد. واليوم تفتح الحكومة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي أبوابها على مصراعيها أمام شركات التعدين الأجنبية والمحلية. وتوفر الدولة بيئة تنظيمية وتجارية جديدة للتعدين، حتى أن بعض المستثمرين في القطاع يرون أنها تضاهي المعايير العالمية، بل وتتفوق عليها، مدفوعة بالطموح في أن تسهم هذه الإصلاحات في جذب اللاعبين الكبار والصغار على حد سواء إلى مشروعات التنقيب عالية المخاطر.
بلغة الأرقام:
تأمل الحكومة في إطلاق مزايدة عالمية للتنقيب عن الذهب والمعادن المصاحبة في أكثر من 210 قطاعات بالصحراءالشرقية هذا العام، وهي المزايدة الأولى من نوعها منذ أكثر من أربع سنوات. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب التعديلات الأخيرة على اللائحة التنفيذية لقانون الثروة المعدنية، التي وافق عليها مجلس الوزراء في أبريل، إلى جانب تعديلات اللائحة التنفيذية لقانون الثروة المعدنية التي خفضت الحد الأدنى لحصة الدولة في المشروعات من 25% إلى 10%.
يكمن الهدف من وراء إجراءات خفض رسوم إيجار أراضي الامتياز،، وتسريع وتيرة الموافقات، وتقليص حصة الدولة، وإجراء مسح جوي جديد للصحراء، في تحويل منجم السكري، الذي يعد منجم الذهب التجاري الوحيد في البلاد، إلى صناعة متعددة المعادن ذات مستوى عالمي، وسط طموحات حكومية بأن تسهم بنسبة تصل إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول أوائل العقد الثالث من القرن الحالي.
نظرة إلى هذه الجهود على أرض الواقع:
توجهت نشرة “إنتربرايز” الاقتصادية إلى الصحراء الشرقية بالقرب من رأس غارب، وتحديدا إلى منطقة وادي دارة، وهي منطقة امتياز للنحاس والذهب تابعة لشركة عنخ ريسورسز الناشئة المتخصصة في التنقيب، التي تأسست عام 2021 على يد اثنين من خبراء قطاعي التعدين ورأس المال المغامر في مصر. وتجولنا في الموقع برفقة الجيولوجيين والمستثمرين بالشركة، والتقينا بقياداتها، وعلى رأسهم رئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي تيموثي ليفيسي، والجيولوجي الاستشاري نيك تيت، والشريكين المؤسسين تامر عازر ومصطفى طلعت، ورئيس قطاع التنقيب عبد الحليم عسران. وتسعى الشركة إلى إثبات أن وادي دارة يمكن أن يحتضن أول منجم نحاس وذهب ذي أهمية عالمية في مصر في العصر الحديث.
معلومة مهمة:
تضفي زاوية النحاس جاذبية خاصة على مشروع وادي دارة؛ إذ يعتمد منجم النحاس والذهب على استغلال رواسب تزخر بالمعدنين معا في نفس الجسم الخام، وتُستخلص في الوقت ذاته. بالإضافة إلى أن زاوية النحاس في وادي دارة تبدو مثيرة للاهتمام بشكل خاص، لأنها تمثل أحد المفاتيح الرئيسية لاقتصادنا الرقمي واقتصادنا الخضراء. تعتمد الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي اعتمادا كليا على النحاس؛ إذ يدخل في صناعة وحدات معالجة الرسومات (GPUs)، ومسارات حوامل الكابلات، ووحدات توزيع الطاقة، والمحولات، ولوحات التبريد السائل داخل مراكز البيانات. كما يشكل حلقة الوصل الرئيسية لنقل الكهرباء المولدة من محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي تغذي هذه المراكز، وتوزيعها على صفوف الخوادم التي تشغل نماذج مثل كلود وجميني وتشات جي بي تي. وفضلا عن مراكز البيانات، تحتاج السيارات الكهربائية إلى كميات من النحاس تعادل ضعفي إلى أربعة أضعاف ما تحتاجه السيارات العاملة بالبنزين، ناهيك عن البنية التحتية للشحن، التي تتطلب كميات أكبر من هذا المعدن.
ستكون الشركات الناشئة والصغيرة مثل عنخ ريسورسز ركيزة أساسية لأي طفرة تعدينية مرتقبة في مصر. وفي هذا الصدد، أدلى ليفيسي بدلوه؛ فهو جيولوجي تلقى تدريبه في المملكة المتحدة وتمتد مسيرته المهنية لتشمل شركات كبرى مثل أنجلو أمريكان وباريك ومشروع ريكو ديك في باكستان. وقال في حديثه مع إنتربرايز: “من الرائع أن يكون لديك شركات عالمية كبرى تدير المناجم في بلدك، لكن هذه الشركات لا تأتي إلا بناء على الجهود والأعمال الاستكشافية التي تنفذها الشركات الصغيرة أولا”.
تسهم الشركات الصغيرة في تحقيق نحو 60% من الاكتشافات المعدنية في العالم. فهي تجمع رؤوس أموال الأسهم تدريجيا مع تقدم أعمالها، وتثبت جدوى المواقع الاستكشافية (أو تلغيها)، وتستهدف عادة بيع المشروع لشركة كبرى أو مشاركتها في الإنتاج. وأضاف ليفيسي: “مصر بحاجة إلى دخول الشركات الصغيرة، لتخوض التجارب وتتحرك سريعا بين هذه الرخص، وتختبرها وتقيمها، ثم تنتقل إلى الرخص التالية؛ فلن تسفر كل رخصة عن اكتشاف مستودع خام”. ولا يعكس مبدأ “التحرك والفشل السريع” روحا انهزامية، لأن الشركات الصغيرة تستهلك أموال المستثمرين يوميا ما دامت تعمل على الأرض، ولذا فإن الموقع غير المبشر يجب التخلي عنه فورا بدلا من التمسك به لخمس سنوات دون جدوى.
كذلك تزداد تكلفة كل خطوة في سلم التنقيب مقارنة بالتي تسبقها. وتتلخص السلسلة الاستكشافية التي استعرضتها عنخ ريسورسز في حديثها مع إنتربرايز في الآتي: أولا، تحتاج إلى إثبات وجود شيء ما في الأرض (عبر رسم الخرائط، وحفر الخنادق، والجيوكيمياء السطحية). تلا ذلك مرحلة الحفر لاختبار امتداد التمعدن في العمق وأفقيا. ويتعين على شركة التنقيب تكثيف عمليات الحفر وزيادة عمقها لبناء تقدير للموارد يمكن التعبير عنه برقم محدد. وبعدها فقط، نستطيع إعداد دراسة الجدوى التي توضح كيفية إدارة المنجم والعوائد المتوقعة، وهو ما يقود في النهاية إلى الحصول على تصريح الإنتاج أو إتمام عملية البيع.
ولا تعني النتائج الإيجابية أننا وصلنا إلى مبتغانا النهائي ليأتي الاسترخاء بعد ذلك، بل تتطلب ضخ المزيد من الأموال، لأن كل مرحلة تحتاج إلى تقليص المخاطر قبل توجيه رأس المال إلى المرحلة التالية. وفي البرامج الواعدة، يمكن للميزانية أن تتضاعف عاما بعد عام، ولهذا السبب لا تتوقف جهود جمع التمويل أبدا. ويبلغ متوسط عمق الآبار التي تحفرها عنخ ريسورسز في وادي دارة حاليا نحو 500 متر، كما أضافت الشركة مرحلة للمسح الجيوفيزيائي قبل الالتزام بعمليات حفر أعمق وأكثر تكلفة، رغبة منها في الحصول على صورة واضحة لما تحت السطح أولا.
كيف تتحول الجيولوجيا إلى تمويل؟
تصنف أكواد التقارير الدولية، مثل لجنة احتياطيات الخام المشتركة (JORC)، المستودعات المعدنية إلى موارد مستنتجة، وموارد مقدرة، وموارد مقاسة، وذلك وفقا لترتيب تصاعدي لدرجة الثقة والموثوقية. وتتيح شبكة الحفر الأكثر تماسكا للشركة التحدث عن موقعها بثقة أكبر، مما يعزز من قيمة البيانات الخاصة بالموقع؛ فهذه البيانات هي الأصل الحصري الرئيسي للشركة الصغيرة في هذه المرحلة. ويشير فريق عنخ ريسورسز إلى أن الأصول التي تحصل على تصنيف “موارد مستنتجة”، تبلغ قيمتها دفتريا نحو ثلث قيمة الأصول المثبتة فقط.
ماذا يظهر برنامج الحفر الأولي في وادي دارة؟
حفرت عنخ ريسورسز 17 بئرا بطريقة الحفر الماسي لاستخراج العينات الأسطوانية بإجمالي أطوال بلغ 6.4 كيلومتر في منطقة واحدة بموقعها. وأظهرت 14 بئرا منها ما حدده مراجع خارجي مستقل على أنه تمعدن “كبير” للذهب أو النحاس أو كليهما معا. ووفقا للمعايير الحالية في الصناعة، يعني ذلك وجود ما لا يقل عن 0.5 جرام من الذهب لكل طن من الصخور؛ وبالنسبة للنحاس، تبلغ النسبة المماثلة 0.33% لكل طن. وتظهر النتائج الأولية للشركة أن نطاق التمعدن يمتد بعرض 600 متر على الأقل، والأهم من ذلك أنها لم تصل إلى حدوده بعد؛ إذ يواصل الامتداد في كلا الاتجاهين وعموديا نحو الأسفل، حيث أظهرت أعمق بئر وجود تمعدن على عمق 527 مترا تحت سطح الأرض. وجرى إعداد التقارير الخاصة بهذه النتائج وفقا لكود لجنة احتياطيات الخام المشتركة (JORC)، وهو المعيار الدولي للإفصاح عن نتائج الحفر، واعتمدها جيولوجيون مؤهلون مستقلون.
يمثل ذلك المرحلة الأولى من الحفر الاستكشافي الاستطلاعي؛ حيث تكون المسافات بين الآبار متباعدة، ويجرى توجيه العديد منها عمدا نحو أطراف النظام المعدني بدلا من نقاط التركز الرئيسية، ولهذا السبب يعد نجاح 14 بئرا من أصل 17 أمرا مشجعا للغاية. وحتى البئران اللتان لم تصيبا الهدف قدمتا بيانات مفيدة؛ إذ جرى حفرهما في موقع أشارت البيانات السطحية إلى احتمال استمرار نطاق التمعدن فيه على المستوى العميق، ولكن لم يُعثر على شيء. وهذا هو مكمن اللغز الجيولوجي القديم للصحراء الشرقية؛ فالصدوع الجيولوجية يمكن أن تزحزح نطاق التمعدن بضعة أمتار أو عدة كيلومترات، ولذا فإن المهمة تكمن في تحديد هذا الاتجاه بدقة قبل الاستثمار في المزيد من الحفر.
وفي نهاية المطاف، تعد شركات التنقيب بمثابة شركات لجمع البيانات، ولذا لا يزال هناك المزيد من الحفر بانتظارها. فما جرى حفره يغطي جزءا صغيرا فقط من امتداد يصل طوله إلى نحو 4 كيلومترات، حيث تشير الأعمال السطحية إلى وجود التمعدن فيه. ولم تبدأ عنخ ريسورسز بعد في استكشاف منطقة مستهدفة ثانية كامل، بالإضافة إلى أن قاع الوادي الممتد بين هاتين المنطقتين المستهدفتين قد يحمل بدوره كميات وفيرة من الذهب والنحاس.
عودة إلى المال والالتزام الصارم:
ستشهد المرحلة الثانية من التنقيب تتبع فريق الشركة لأطراف المنطقة الأولى التي يستكشفونها (والتي يطلقون عليها “المنطقة أ”)، وحفر “المنطقة ب” غير المستكشفة ومعها الوادي. كما أن الأهم والأكثر تكلفة هو الحفر بين الآبار الحالية لزيادة دقة البيانات عبر تقليص المسافة بين آبار الحفر من 200 متر إلى 100 متر، ثم إلى 50 و25 مترا. إذ إن تضييق شبكة الحفر هو ما يحول جملة “نعتقد بوجود مستودع خام هنا” إلى تقدير رسمي للموارد يبدو جذابا للبنوك أو المشترين المحتملين؛ فمن المؤكد أن مستويات الدقة والثقة تتلقى دفعة قوية مع كل بئر تُحفر.
خطة مرنة بطبيعتها:
يعد عسران، كبير الجيولوجيين، بمثابة أسطورة في هذه الصناعة على المستوى الإقليمي. ويعيد هو وفريقه رسم خطة الحفر مع ظهور نتائج كل دفعة من العينات المعملية، لأن الخطة الصارمة تهدر أمتار الحفر، وإهدار الأمتار يعني إهدار المال. وسوف تختبر عنخ ريسورسز قاع الوادي — الذي يتكون من رواسب مفككة لا تمنح تركيبا صخريا قابلا للقراءة — عبر طريقة الحفر بالدوران العكسي (RC)، التي تحول الصخور إلى رقائق لتحليلها كيميائيا، مما يدخر تقنية الحفر الماسي الأبطأ والأعلى تكلفة للمناطق الصخرية التي تحقق فيها قراءة الصخور عائدا يستحق القيمة المادية. ويحافظ حفر العينات الأسطوانية على الهيكل البنائي للصخر ويسمح للجيولوجيين بنمذجة جسم الخام في ثلاثة أبعاد. وبحسب الكلمات التي استخدمها أحد الجيولوجيين لوصف الأمر، يعد الحفر الماسي بمثابة اختبار الحمض النووي، بينما يمكن وصف الحفر بالدوران العكسي بأنه بمثابة تحليل الدم الكامل.
تبقى المعضلة الأبرز بالنسبة للمستثمرين الأصليين هي تخفيف الحصص؛ إذ يحتاجون إلى جمع رأس المال مرارا وتكرارا لمواصلة أعمال التنقيب. وتتعرض حصص المستثمرين الحاليين للتخفيف مع كل جولة تمويلية، ما لم يشاركوا فيها، وغالبا ما ترتفع تكلفة التنقيب مع المراحل اللاحقة. وردا على سؤال حول ما إذا كان المساهمون يبدون معارضة لجولات جمع التمويل، قال طلعت، أحد الشركاء المؤسسين في عنخ ريسورسز، إن الاستراتيجية تكمن في العثور على “نقطة توازن مثالية” بين تخفيف الحصص والتقييم. فهذا الاتفاق يُعاد تقييمه سنويا. ويوضح: “لا تتسرع في قبول مبالغ ضخمة مبكرا لمجرد أنها عُرضت عليك، بل اترك نتائج الحفر ترفع تقييم الشركة أولا، ثم ابدأ في جمع التمويل”.
فيما يشبه ليفيسي الأمر بكرة ثلج تتدحرج من أعلى التل؛ إذ إن النجاح المبكر يجذب المستثمرين الذين يمولون الحفر، وهو ما يقود بدوره إلى مزيد من النجاح. ولكن لا ينجح هذا النموذج إلا إذا استمر تدفق النتائج الجيدة والموثقة خارجيا.
من يدعم عنخ ريسورسز؟
في البداية، كان الدعم يأتي في الأساس من مستثمرين ملائكيين مصريين ليس لديهم خلفية في مجال التعدين، ويقول طلعت إن فحصهم النافي للجهالة ركز على تقييم الأشخاص والكوادر بدلا من الصخور ذاتها. أما الآن، فتضم قائمة المستثمرين مكاتب عائلية داخل مصر وخارجها، واختصاصيين أفراد في قطاع التعدين، بالإضافة إلى صناديق مؤسسية مدرجة في بورصة لندن.
المنافسة على رأس المال في قطاع التعدين عالمية:
يستطيع المستثمرون في هذه الصناعة توجيه أموالهم إلى أي مكان في العالم، وما يشترونه بالفعل هو فريق يدير هذه الأموال بحكمة، بغية تقليص المخاطر، بحسب ليفيسي.
تمر منطقة وادي دارة حاليا بمرحلة تُعرف بـ “التنقيب المتقدم المبكر”، وهي مرحلة تتجاوز إثبات صحة المفهوم، لتبدأ في بناء ما تصفه الصناعة بـ “المورد”. يُعرف هذا بأنه تعريف قياسي في القطاع، ويعني وجود “آفاق معقولة للاستخراج الاقتصادي في نهاية المطاف”. وتمثلت إحدى المزايا التي ركز عليها الفريق خلال زيارتين في أوائل الصيف الماضي في أن الموقع لم يتعرض أبدا للتخريب جراء عمليات التعدين العشوائي أو الحرفي، مما يحافظ على سلامة المؤشرات السطحية التي توجه عمليات تحديد أهداف الحفر، ويضمن إبقاءها دون تشويه. ويضم مرفق التخزين بالموقع، الذي يطلقون عليه “ساحة العينات”، كل عينة حفرتها عنخ ريسورسز منذ اليوم الأول، مقسمة ومسجلة ومخزنة، بحيث يمكن لأي مشكك (أو مشتر محتمل) إعادة تحليلها كيميائيا. فيمكن اعتبارها خريطة ثلاثية الأبعاد للموقع تلمسها بيديك.
يحدد ليفيسي الجدول الزمني في اللحظة الراهنة بـ 18 إلى 24 شهرا تشمل عمليات الحفر الموسعة لتحديد المورد الأولي. في حين أن دراسة الجدوى، وهي البوابة للحصول على تصريح الإنتاج، تفصلنا عنها “أربع سنوات على الأقل”، شريطة أن تكون النتائج مبشرة، وفق ما صرح به أحد مسؤولي الشركة لإنتربرايز. ويتماشى نظام التراخيص في مصر مع هذا الجدول الزمني؛ إذ توضح عنخ ريسورسز: “تمتد عقود التنقيب لست سنوات مع إمكانية الحصول على تمديد فني لمدة عامين للاكتشافات الكبيرة، وتكون قابلة للتجديد لمدة عامين في كل مرة بموافقة الوزارة للشركات التي تفي بالتزاماتها”.
ما مدى سهولة إقناع المستثمرين بضخ الأموال في عنخ ريسورسز؟
يرى طلعت أن المستثمرين ذوي الخلفية التعدينية يستوعبون المفاهيم الجيولوجية سريعا، لكن تساؤلاتهم الحقيقية تتركز حول البيئة الاستثمارية والتشريعية في مصر: أي مدى استقرار قانون الثروة المعدنية، وما إذا كانت أي شركة عاملة تعرضت للتوقف أو التعطيل من قبل، وأيضا ما إذا كان هناك مستثمرون آخرون يتدفقون إلى السوق.
يعد منجم السكري أفضل نموذج تستشهد به مصر؛ فقد واصل عملياته دون أي توقف رغم مروره بثلاث ثورات، وهذه أقوى إشارة ترسلها سوق واعدة بشأن احترام العقود، على الرغم من البداية المتعثرة للمشروع في أواخر التسعينيات والعقد الأول من الألفية الجديدة، قبل أن يتحول إلى منجم منتج.
سجل مدعوم بمسيرة إصلاحات هيكلية:
شهد عام 2019 تعديل قانون الثروة المعدنية لعام 2014، وألغت اللائحة التنفيذية لعام 2020 نموذج الشركات المشتركة الإلزامية القائمة على اقتسام الأرباح، وحددت سقف الإتاوات عند 20%. وتعد هذه التغييرات جوهرية؛ فقد جعلت التشريعات المصرية تتماشى مع الأعراف العالمية في صناعة التعدين. كما شهدت بداية العام الجاري مزيدا من التعديلات التي أضافت تقديم الطلبات عبر المنصات الإلكترونية وترخيص معامل التحاليل الكيميائية. وصرح وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي أمام البرلمان بأن قطاع التعدين يسهم بنحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي حاليا، مستهدفا رفع هذه النسبة إلى 6% بحلول عام 2030. كذلك روجت الوزارة لهذه الجهود على نطاق واسع عبر المؤتمرات والفعاليات الاستثمارية، وإجراء مسح جوي وطني، وهو الأول من نوعه للبلاد منذ أربعة عقود.
تجسد لاوس تجربة تحذيرية؛ ومضرب المثل هنا هو نيك تيت، الجيولوجي الأسترالي الذي يعمل مستشارا لشركة عنخ ريسورسز ويتمتع بمكانة مرموقة تشبه نجوم البوب في هذا المجال، والذي أمضى 15 عاما هناك خلال ما بدا أنه طفرة تعدينية مدفوعة بتشريعات صِيغت حديثا وشركات صغيرة طموحة. لكن الحكومة جمدت لاحقا التراخيص، وأعادت صياغة القانون بمساعدة خارجية، وأخفقت في تنفيذه. (يُعزى الفضل إلى تيت في إعادة تفسير البيانات التي أسهمت في توسيع احتياطيات النحاس والذهب المؤكدة في منجم سيبون، الذي يعد اليوم أحد أكبر المناجم في آسيا).
في حديثه مع نشرة “إنتربرايز” الاقتصادية ، قال تيت إن الضربة القاضية تمثلت في تقويض ما يُعرف بـ “الحق في التعدين”، فهذا المبدأ هو ما يضمن حصول أي مستكشف ملتزم بالقواعد على رخصة للتعدين عندما يعثر على مستودع خام. وأوضح: “الأمر يشبه تذكرة اليانصيب؛ هناك ضمانة ضمنية من الحكومة بأنه في حال ظهور الأرقام الفائزة، سيجري الصرف لك”. لكن لاوس أعادت كتابة الشروط والأحكام على ظهر التذكرة لتقول بدلا من ذلك “سندرس الأمر”، مما دفع الشركات الصغيرة والكبرى على حد سواء إلى المغادرة. والآن، تقترب المناجم القائمة من الإغلاق دون وجود مشروعات جديدة في الأفق، وقفز الدين العام إلى نحو 128% من الناتج المحلي الإجمالي مع انهيار العملة المحلية.
على الجانب الآخر، تحركت الإصلاحات المصرية بحسم في الاتجاه المعاكس. بيدا أن المغزى من حديث تيت يكمن في أن القانون المدون على الورق يظل أقل أهمية مقارنة بمدى استمرار الدولة في احترامه والالتزام به لعقد من الزمن أو أكثر. وهذه هي الرسالة التي يواصل المستثمرون في مختلف القطاعات توجيهها إلى الحكومة: استقرار السياسات هو المفتاح.
كما تواجه مصر منافسة من السعودية، التي تقع على نفس الدرع العربي النوبي، الذي يُعرف باختصار بـ ANS، ويعد واحدا من العناوين الكبرى الأخيرة الواعدة في عالم التعدين. ويرى ليفيسي أن دخول السوق المصرية أسهل مقارنة بالسعودية حاليا؛ إذ تتضمن شروط جولات المزايدات في المملكة متطلبات رأسمالية لا تتوافق بسهولة مع طبيعة الشركات الناشئة، التي لا تمتلك إيرادات بحكم طبيعتها الاستكشافية. وأضاف طلعت أن مصر لا تدفع المستثمرين الأجانب نحو البحث عن شركاء محليين بالشكل الذي يفرضه النظام السعودي على أرض الواقع.
كيف يبدو إذن مسار التخارج بالنسبة لشركة عنخ ريسورسز؟
ثمة ثلاثة مسارات متاحة، تتطلب جميعها أولا الوصول لتقدير للموارد يتوافق مع الأكواد الدولية: إما بيع المشروع أو الشركة لكيان تعديني كبير، أي أننا نتحدث هنا عن التخارج الكلاسيكي للشركات الصغيرة، ولهذا السبب تبقي عنخ ريسورسز غرفة البيانات الخاصة بها جاهزة بصورة دائمة. (فعندما استحوذت شركة أنجلو جولد أشانتي على شركة سنتامين المالكة لمنجم السكري في نوفمبر 2024، وجدت أن الأرشيف يضم عينات حفر أسطوانية محفوظة منذ اليوم الأول، وهي أصل الفحص النافي للجهالة الذي يجعل الاستحواذ قابلا للتأمين والتقييم المالي). يتمثل المسار الثاني في إدراج الشركة في البورصة؛ إذ تتخذ الشركة من جزيرة جيرسي شمال غرب أوروبا مقرا قانونيا لها تحديدا لإبقاء خيار الطرح العام الأولي المستقبلي قائما. أما الخيار الثالث فهو بناء المنجم بنفسها، وهو المسار الأطول والأكثر استهلاكا لرأس المال، ولا يُفتح أمامها إلا بعد إثبات الجدوى والحصول على التراخيص.
يشبه هذا الإنجاز ما حققه منجم السكري فقد تجاوز إنتاج المنجم 5.9 مليون أوقية منذ عام 2009، بما في ذلك نحو 500 ألف أوقية في عام 2025، فضلا عن امتلاكه قوة عاملة يصفها طلعت بأنها مدرسة التعدين في مصر”، وهي ذاتها قاعدة الكفاءات التي صقلت مسيرة أحد مؤسسي عنخ ريسورسز وتصدر الآن الجيولوجيين إلى عمان والسعودية وحتى أستراليا وكندا. ينطبق تحذير تيت بشأن لاوس هنا أيضا: فعندما تتوقف المشروعات المستقبلية في بلد ما، يظل الذهب مدفونا في الأرض بينما تتبدد المهارات وتتفرق، ودون رجعة. وتأتي الإصلاحات التنظيمية الأخيرة في مصر لمعالجة هذا التحذير تحديدا.
ما هي الخطوة التالية؟
تعد جولة مزايدات النصف الثاني من عام 2026 الحدث الأبرز المرتقب، سواء لمعرفة هوية الشركات المشاركة (فقد جذبت جولات عامي 2020 و2022 شركات كبرى وناشئة ورؤوس أموال محلية، بما في ذلك شركة “إيه كيه إتش جولد” التابعة لنجيب ساويرس) أو للوقوف على الشروط المعروضة. وتقول عنخ ريسورسز إنها ستدرس توسيع نطاق وجودها بالقرب من موقعها الحالي. وعلى المدى الأبعد، تبرز شبه جزيرة سيناء الغنية جيولوجيا، لكنها تظل مغلقة أمام التنقيب عن المعادن الثمينة حتى تطرحها الدولة رسميا. ويترقب المتابعون بحذر التفاصيل الدقيقة للطرح للتحقق من أمر واحد هو أهم من كل الجوانب الأخرى (حسبما قاله كل من تحدثوا إلى إنتربرايز): وهو ما إذا كانت النسخة المصرية من تذكرة اليانصيب ستحتفظ بضمانها المطبوع على الظهر.










