في اللغة مفارقةٌ لطيفة. نقول إننا “نُمَيِّز” ذوي الإعاقة، ونحن في الحقيقة نفعل العكس تمامًا. نحن لا نمنحهم ما يجعلهم مختلفين، بل نمنحهم ما يجعلهم مثل سائر الناس.
المصعد في المبنى الحكومي ليس امتيازًا. والمنحدر بجوار السُّلَّم ليس هديةً. والنسبة المقررة في التعيينات ليست مِنَّةً من أحد. كل هذه ليست إضافاتٍ فوق الحق، بل هي الطريق إلى الحق ذاته. طريقٌ يمشيه الآخرون دون أن يشعروا، ويحتاج بعضنا إلى من يُمَهِّده له.
وهنا يكمن جوهر الفكرة التي أريد أن أقف عندها: الإعاقة بحد ذاتها ليست سببًا للتمييز. لو كانت كذلك، لكان التمييز وصمةً مقنَّعة، ولكانت الميزات إحسانًا مُغَلَّفًا. السبب الحقيقي هو الأثر، لا الحالة. هو العائق، لا الإنسان.
الفهم الحديث للإعاقة يقول شيئًا عميقًا: الإعاقة ليست صفةً كامنة في الجسد وحده، بل هي تفاعلٌ بين الإنسان وبيئته. الكرسي المتحرك لا يُعيق صاحبه، السُّلَّم هو الذي يعيقه. وضعف البصر لا يمنع الموظف من العمل، غياب البرامج القارئة هو الذي يمنعه. فإذا تهيأت البيئة، تراجعت الإعاقة. وإذا اكتملت التهيئة، كادت تختفي.
من هنا، فإن كل ميزة يقررها القانون لذوي الإعاقة إنما هي جسرٌ فوق فجوة. الفجوة ليست في الشخص، بل بين الشخص والفرصة. والتشريعات التي أقرت هذه الميزات، من الدستور إلى القوانين المنظمة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لم تنطلق من منطق الشفقة، بل من منطق العدالة. العدالة التي تدرك أن المساواة الحقيقية ليست أن نعامل الجميع بالطريقة نفسها، بل أن نصل بالجميع إلى النقطة نفسها.
وفي الصحة تحديدًا يتجلى هذا المعنى بأوضح صوره. حين نُيَسِّر وصول ذوي الإعاقة إلى المنشآت الصحية، وحين نُدَرِّب الفرق الطبية على التواصل معهم، وحين نصمم الخدمة لتلائم احتياجهم، فنحن لا نمنحهم رعايةً خاصة، بل نزيل ما كان يحول بينهم وبين الرعاية العادية. الفارق دقيق، لكنه هو كل شيء.
الغاية إذن ليست أن يعيش ذو الإعاقة حياةً استثنائية، بل أن يعيش حياةً طبيعية. أن يتعلم كما يتعلم الناس، ويعمل كما يعملون، ويتنقل كما يتنقلون، ويُعالَج كما يُعالَجون. التمكين لا التفضيل. الإتاحة لا الإعفاء. المشاركة الكاملة لا الرعاية الدائمة.
ولعل المجتمع الذي يفهم هذا الفهم يكسب مرتين: يكسب كرامة أبنائه، ويكسب طاقاتهم. فكم من عقلٍ نابغ حبسه سُلَّمٌ بلا مصعد، وكم من موهبةٍ أُهدرت لأن أحدًا لم يُمَهِّد لها الطريق.
الإعاقة لم تكن يومًا هي المشكلة. المشكلة دائمًا في بيئةٍ لم تتسع للجميع.
ونحن حين نُمَيِّز… إنما نُسَوِّي.









