إن ظاهرةَ التحرشِ الجنسيِ باتت تشكلُ خطراً داهماً، وسيفاً مسلطاً على نسيجِ المجتمعاتِ العربيةِ التي تفسخت تقاليدُها وتبعثرت أعرافُها أمامَ رغبةٍ عمياءَ لشريحةٍ من الرجالِ هم في الأصلِ ضحايا الجهلِ والفقرِ الثقافيِ والتربوي، فتحطمت معها معاني الشهامةِ والمروءةِ والرجولةِ، وضاعَ معها معنى الحفاظِ على المرأةِ التي هي الأمُ والزوجةُ والأختُ والابنة.
لقد استفحلت هذه الظاهرةُ في الآونةِ الأخيرةِ وصارت جرحاً نازفاً، ووصمةً مخزيةً، تقفُ خلفها أبعادٌ اقتصاديةٌ واجتماعيةٌ ونفسيةٌ وثقافية، منها الكبتُ الجنسيُ الناتجُ عن تأخرِ سنِ الزواجِ والمغالاةِ في المهور، بالإضافةِ إلى البطالةِ التي توشكُ أن تفترسَ زهرةَ شبابِ العالمِ العربي، فضلاً عن الفقرِ والجهلِ والإحساسِ بانعدامِ العدالةِ وحالةِ اليأسِ والإحباطِ وانتشارِ العشوائياتِ والفراغِ القاتلِ الذي يعيشُه أولادُنا اليوم، فلا شيءَ يملأُ حياتَهم باستثناءِ التلفازِ والإنترنت.
ومع تدهورِ الأوضاعِ وقعَ الكثيرُ من الشبابِ في براثنِ الانحرافِ والإدمانِ والانغماسِ في الملذاتِ الآنيةِ دون تقديرٍ لعواقبِها الآجلة، فالشبابُ يمرُ منذُ فترةٍ ليست بالقصيرةِ بحالةٍ من الإحباطِ الشديدِ وعدمِ الأمانِ نتيجةً لارتفاعِ نسبةِ البطالةِ وقلةِ الدخلِ وازديادِ تكاليفِ المعيشة، مما جعلَ رغبتَهم في العملِ وبناءِ أنفسِهم وتصريفِ الطاقةِ والغريزةِ الطبيعيةِ بشكلٍ مشروعٍ حلماً بعيدَ المنال. ويظهرُ ذلك جلياً في إقدامِ بعضِ هؤلاءِ الشبابِ على الزواجِ العرفيِ رغمَ مشاكلِه الجامّةِ وإنكارِ المجتمعِ له.
والبطالةُ هي أمُ الموبقاتِ في المجتمع، فكلُ إنسانٍ عاطلٍ هو قنبلةٌ موقوتةٌ وطاقةٌ مكبوتةٌ قابلةٌ للانفجارِ في أيِ وقت. وخطورةُ البطالةِ ليست في أرقامِها المرتفعةِ ولكنها تكمنُ في المشكلاتِ والجرائمِ التي يرتكبُها العاطلون، فهناك علاقةٌ طرديةٌ بين زيادةِ معدلِ البطالةِ وبين انتشارِ الجريمة. ولأن العاطلينَ لهم احتياجاتٌ لا يقدرُ سوى المالِ على تحقيقِها، فالعاطلُ إذا لم يحصلْ على المالِ بطريقةٍ شرعيةٍ فإن الجريمةَ هي السبيلُ أمامهُ بلا شك. وهي تقتلُ الانتماء، وإذا ماتَ الانتماءُ انهارتِ الأمم. فبسببِ البطالةِ لن تتوقفَ مراكبُ الموتِ ولن ينجو آلافُ الضحايا، ولأن البطالةَ مرتبطةٌ بتأخرِ سنِ الزواجِ فيؤدي ذلك إلى ارتفاعِ نسبةِ مرتكبي هتكِ العرضِ والاغتصاب، حيثُ تفصلُ شعورَ المواطنِ عن دولتِه وتكرسُ داخلهُ انفعالاتِ الغضبِ والقهرِ التي يتمُ تفريغُها بمثلِ هذه السلوكيات. وهناك جماعاتٌ تعيشُ على هامشِ الحياةِ في حاراتٍ عشوائيةٍ تفتقدُ إحساسَها بالانتماءِ للمجتمعِ وتنزعُ إلى التخريبِ والجريمةِ لتلفتَ الانتباهَ لها.
ولم تعد أسبابُ الظاهرةِ اقتصاديةً فحسب، بل تمددت لتشملَ آفاتِ العصرِ الحديث. فقد صنعت “ثقافةُ الميمزِ والتريند” من التحرشِ مادةً للسخريةِ والضحك، فتحولت المقاطعُ والكوميكسُ إلى تطبيعٍ للقبح، فصارَ ما نضحكُ عليه اليومَ نمارسُه غداً بلا خجل. كما أن “انعدامَ القدوةِ” في الإعلامِ والفنِ صدّرَ لنا البلطجيَ بطلاً، والمتحرشَ قوياً، والمستهترَ قدوة، فترسخت في عقولِ الشبابِ قاعدةٌ خبيثة: “من يعلو صوتُه هو من يُسمع”. وزاد الطينَ بلةً “العنفُ المصورُ” في الألعابِ والأفلامِ والمقاطع، فتعودت العينُ على كسرِ حدودِ الآخرين، وانتقلَ العنفُ من الشاشةِ إلى الشارعِ بلا رادع.
إن التحرشَ لم يعد ظاهرةً فرديةً تمارسُ في الخفاءِ ولكنها أصبحت بالفعلِ مشكلةَ أمنٍ قومي، ويرجعُ انتشارُ الظاهرةِ كذلك إلى انتشارِ الفسادِ وانعدامِ الضميرِ وضياعِ الأخلاقِ والابتعادِ عن الدينِ والشعورِ باليأسِ والإحباطِ وازديادِ معدلاتِ الطلاق.
ولقد نسينا أن ديننا جاء صيانةً للأعراضِ قبلَ الأموال. قال الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} فبدأ بغضِ البصرِ قبلَ حفظِ الفرج، لأن العينَ بريدُ الزنا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلُ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ دمُه ومالُه وعرضُه”. فأيُ رجولةٍ تلك التي تنتهكُ عرضاً حرّمه الله؟ وأيُ شهامةٍ فيمن روّع الآمناتِ في الطرقات؟ إن المتحرشَ لم يعتدِ على جسدٍ فقط، بل اعتدى على حُرمةٍ صانها الشرع، وعلى أمانةٍ استرعاه الله إياها. فإذا غاب الوازعُ الدينيُ غاب الحياء، وإذا غاب الحياءُ ضاعت الأمة.
وقد لا ترتبطُ الظاهرةُ بالمناطقِ الفقيرةِ فقط بل ببعضِ الأماكنِ الراقيةِ أيضاً متمثلةً في صورِ الابتزازِ الجنسيِ والعواملِ المرتبطةِ به، ولعلَ من أهمِها وجودُ مسائلَ معلقةٍ بيدِ الشخصِ الذي يمارسُ الابتزازَ الجنسيَ كونهُ مشرفاً أو رئيساً أو مسئولاً في حقلِ العمل. وللأسفِ الشديدِ معظمُ الحالاتِ غيرُ مسجلةٍ بسببِ الخوفِ من الفضائحِ والقلقِ على مستقبلِ الفتاة، وبالطبعِ يؤثرُ ذلك بشكلٍ كبيرٍ على عملياتِ الإنتاجِ وسيرِ العملِ ويكسبُ كثيراً من بيئاتِ العملِ سمعةً سيئةً مما يؤدي إلى تدني استقطابِها للكفاءاتِ العاليةِ من الخبراتِ المهنيةِ ويدفعُ بكثيرٍ من العاملينَ فيها إلى هجرةِ بيئةِ العملِ وتدني روحِهم المعنويةِ وتدميرِ الأفرادِ والمنظمات.
ولم يزل للأسفِ التعاملُ مع جريمةِ الاعتداءِ على أنها بسببِ سوءِ سلوكِ النساءِ وابتزازِهنَ للرجالِ بالحضورِ السافر، وضعفُ احتشامِ المرأةِ كادَ يعتبرُ السببَ الرئيسيَ في كلِ التفسيراتِ العربية، وأن التحرشَ والاعتداءَ يكادُ لا يصبحُ جريمةً بل يصبحُ حقاً طبيعياً للرجل، فالأنثى متاعُه في كلِ حالٍ وفي كلِ مكانٍ وفي كلِ زمان. ولم يعد هناك فرقٌ بين المرأةِ السافرةِ والمرأةِ المنقبةِ بالسواد، كلتاهما معرضةٌ للتحرش، فكلُ النساءِ هن اليومَ مباحاتٌ لمجردِ خروجهنَ من البيوتِ وتواجدِهنَ في الشوارع. إن مجردَ ظهورِ المرأةِ أصبحَ سبباً كافياً للتحرشِ بها. وكثيرٌ من الشرائحِ الاجتماعيةِ والقوانينِ في البلدانِ العربيةِ لا تعترفُ بالاغتصابِ كجريمة، والأسوأُ أنها يمكنُ أن تضعَ اللومَ على الضحيةِ لا على الجاني، لأن الضحايا غالباً هن النساءُ وسيكونُ لعقدةِ الثقافةِ الذكوريةِ العاملُ الأهمُ في تحليلِ هذه الظاهرة.
وهذا يعني أن الهدفَ هي الضحيةُ كونَها أنثى، ووقوعُ اللومِ في هذه العملياتِ الوحشيةِ على المرأةِ نفسِها التي أصابَها الأذى بدايةً من الانتهاكاتِ البسيطةِ إلى المضايقاتِ الحادةِ التي من الممكنِ أن تتضمنَ تلميحاتٍ لفظيةً وصولاً إلى النشاطاتِ الجنسية، فهو عملٌ مشينٌ بكلِ المقاييسِ في زمانٍ كثرت فيه الفتنُ واستعصت الكثيرُ من المشاكلِ عن الحلِ وخرجت فيه أجيالٌ جديدةٌ لا تعرفُ من التربيةِ إلا اسمَها ولا تعرفُ عن الدينِ إلا قشورَه.
ومن أسبابِ الظاهرةِ غيابُ الرادعِ الأمنيِ وغيابُ الأمنِ عن الشارع، بالإضافةِ إلى تعاملِ الشارعِ باستهانةٍ شديدةٍ مع المتحرشِ طالما لم يصلْ إلى حدِ الاغتصاب، وسيادةُ ثقافةِ الصمتِ داخلَ المجتمعِ وخشيةُ الأنثى من الإبلاغِ تجنباً للفضيحة.
لذلك فإن المواجهةَ تحتاجُ إلى حلولٍ تقليديةٍ وأخرى خارجَ الصندوق. لابدَ من ضرورةِ وضعِ القوانينِ وتفعيلِ العقوباتِ وتغليظِها وسرعةِ تطبيقِها، وقد نلجأُ إلى “التجريسِ الاجتماعيِ القانوني” بنشرِ أسماءِ وصورِ المحكومِ عليهم بعدَ ثبوتِ الجريمة، فالخوفُ من الفضيحةِ رادعٌ أقوى من الخوفِ من السجنِ عند كثيرين. كما يجبُ فرضُ “كودٍ أخلاقيٍ ملزمٍ” على الشركاتِ والمؤسسات، فمن تسترَ على متحرشٍ أو تهاونَ في محاسبتِه يُعاقبُ ويُشطبُ من التعاقدات، لأن رأسَ المالِ إذا خافَ على سمعتِه سيحاربُ التحرشَ بنفسِه. ونحتاجُ إلى “فرقِ تطوعٍ مجتمعيٍ” مدربةٍ في الأماكنِ المزدحمة، فوجودُ العينِ الراصدةِ كفيلٌ بإخافةِ الجبان.
وقبلَ ذلك كله علينا أن ننفذَ القاعدةَ الذهبية: “الوقايةُ خيرٌ من العلاج” باهتمامِنا بالتربيةِ التي أصابَها كثيرٌ من الخللِ وباتت لدى الكثيرينَ هي الإعاشةُ فقط، أما تهذيبُ الأخلاقِ وتصفيةُ العقولِ وتنقيتُها من الشوائبِ والخبثِ الذي يبثُه السرطانُ الإعلامي. والتركيزُ على القيمِ الدينيةِ والالتزامِ بما أوجبَه اللهُ عزَ وجلَ من فروض، وما سنَه رسولُه الكريم “صلى الله عليه وسلم” من سنن، واعتمادِ الصداقةِ بينَ الآباءِ والأبناءِ أسلوباً للتربيةِ بلا إفراطٍ أو تفريط. والأهمُ أن نربيَ الولدَ قبلَ البنت، أن نعلمَه أن الرجولةَ غضُ بصرٍ وحمايةٌ لا تحرشٌ وسيطرة، وأن الشهامةَ سترٌ لا فضح.
حتى نستطيعَ أن نواجهَ هذه الظاهرةَ المخزيةَ التي تصدرُ للعالمِ وجهَ الرجلِ القبيح. لذلك نطالبُ الجميعَ بالمشاركةِ في مواجهتِها سواءً أجهزةَ الأمنِ والقضاءِ والإعلامِ والتعليمِ والمؤسساتِ الدينية، فهي أزمةُ أخلاقٍ تحتاجُ إلى تأهيلِ مرضى التحرشِ وتدريبِ المرأةِ على كيفيةِ الوقايةِ منها.
وفي الختام: التحرشُ ليس شهوةً.. التحرشُ سلطة. وسلطةُ الجاهلِ على الضعيفِ لا تُقابلُ إلا بقوةِ القانونِ، وقوةِ التربيةِ، وقوةِ مجتمعٍ يقولُ للباطلِ: كفى.










